سيرتنا و سنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٢٦ - إليك البيان
جلّ وعلا سوابغ النعم، وصفو المنائح والمنن، وما بكم من نعمة فمن الله، فمن قدّم غيره تعالى عليه في الحبِّ فقد شذّ عن حكم العقل، وقدم الممكن على الواجب، وآثر المعلول على العلّة، وعلى الله أن يؤاخذه بذلك ويعاقبه كما جاء في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[١].
ومهما لم تك تحد تلكم الصفات صفات الواجب تعالى، ولا تقف دون حدّ موصوف، فالحبّ الذي تستتبعه هي، وهو وليدها، وينبعث هو منها، لا بدّ من أن يكون غير محدود، ولا يتصور فيه قط غلو وإن بلغ ما بلغ، إذ الغلو إنّما هو التجاوز عن الحد، والخروج عن القياس المعيّن المعروف بحدوده ومقاديره، فما لا حدّ له لا غلو فيه.
وإنّما يختلف الناس في مراتب الحبّ لله على عدد رؤوسهم لاختلافهم في العلم ببواعثه، وذلك أنّ الحب المنتزع من بواعثه وموجباته يستتبعه العلم بها، وينشأ ويقدر بقدر الإطلاع عليها، وليس جميع أفراد الفئة المسلمة في معرفة الله وصفاته على حدّ سواء، بل لكُلّ امرئ منهم نصيب يخصّ به، وحظ لا يشاركه فيه غيره، ومبلغ من العلم بذلك لا يدانيه أحد، ولكُلِّ فردٍ شأن يغنيه.
والحبّ لله جلّ وعلا إنّما يثمر وينتج للعبد عندما يتحقق التحابب من الطرفين، ولا يتأتى ذلك إلّا بعد ما يوجد لدى العبد أيضاً بواعث ودواعي يحبه الله بها، وإليها يومي قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[١] - سورة التوبة: ٢٤.