البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٨ - 3- السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
الجدل حول المعاني الخفية والعميقة، وعن محاولة العقل التدخل في كل أمرٍ يعرض عليه، وإبداء وجهة النظر الاستقلالية في فهم ذلك، ونقله إلى الآخرين، فهي غريزة إنسانية راسخة في ذات البشر، ومستحكمة في أعماقه، لا تنفك عنه، ولا تنفصل عن ذاته، إلّاإذا كان بصيراً بدينه، عارفاً بقدرة نفسه، متواضعاً للعلم والمعرفة. وماتلك الدعوات والادّعاءات التي ظهرت في فترات مختلفة من عمر البشرية، كادّعاء القيادة، والنبوّة، والالوهية، والإحاطة بكل شيء .. وما إلى ذلك من امور، إلّاصدىً لتلك الرغبة الكامنة، وافرازاً عن ذلك النزوع الإنساني، الذي يسعى دائماً لأن يجعل العقل بديلًا عن تعاليم السماء، ولكنَّه يُبتلى أبداً بالانتكاس والخسران.
وكان من جرّاء هذا التفكير الملتوي، والسلوك المنحرف، أن ظهرت بدع كثيرة في حياة المسلمين، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالاعتقادات، وترتبط بمعارف اصول الدين، فنشأت فرق، ومذاهب، ومشارب متعددة، تتقاطع مع تعاليم الشرع الاسلامي المبين، وتدعو إلى ألوان شتى من الانحراف الفكري، والاعتقاد المغلوط.
وكانت مفاتيح هذه الطائفة من البدع والمحدثات، بيد تلك المجاميع التي دخلت في عالم الاعتقادات بكل ماله من أبعاد وتفاصيل، وطرقت المفاهيم الإسلامية الحساسة من موقع الجهل، وقلة الخبرة، واللامبالاة.
وسوف نقوم باستعراض بعض المواقف والأحداث، التي شكّلت النواة الأساسية الاولى لهذا النمط من الابتداع، والمظاهر التي انساقت مع هذا التيار في بدايات عمر التشريع:
١- «روي أنَّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللَّه! لتعلمني من غرائب العلم! فقال صلى الله عليه و آله و سلم:
ما صنعتَ في رأس العلم؟
قال: وما رأس العلم؟