البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٣ - ٢- النداء الثاني يوم الجمعة
فسواء برَّر هؤلاء تشريع النداء المحدث بالكثرة السكّانية أو بغيرها من التبريرات، فإنَّ النداء الثاني يبقى مطبوعاً بالابتداع دون تردّد.
أما لماذا أخفق هؤلاء في توجيه هذه (البدعة)، والقول بأنَّها شرعت لتلافي الكثرة السكّانية الحاصلة في المدنية آنذاك، فللُامور التالية:
أولًا: انَّنا لو سلمنا انَّ الكثرة كانت حاصلة في أهل المدينة آنذاك وانَّ الضرورة كانت تدعو لاستيفاء كثرة المسلمين هذه بالنداء، وتغطية عددهم المتزايد، فانَّ هذا الأمر يدعو لأن يناقض الحديث نفسه، ويقع في التهافت والاضطراب، إذ انَّ النداء الجديد كان يؤتى به على موضعٍ يُقال له (الزوراء)، وقد فُسّرت (الزوراء) بمعانٍ ومواضع متعددة، لا تبتعد في جميع معاينها المذكورة بمسافة كبيرة عن المسجد النبوي، وهذا مما لا يفي بالغرض المذكور من دون ريب، إذ ينبغي أن يكون هذا النداء بفرض صحه الفلسفة من تشريعه (وإن كان هذا الأمر لا يصح إلّامن قبل صاحب الشريعة) في موضع بعيد عن المسجد ليسُمعَ مَن لا يسمع الأذان الشرعي، لا أن يكون الأذانان في دائرة سمعية واحدة!
فقد ذكر (الحموي) في (معجم البلدان):
«انَّ الزوراء: موضع عند سوق المدينة قرب المسجد .. وقيل: بل الزوراء سوقُ المدينة نفسه، ومنه حديث ابن عباس رضى الله عنه، انه سمع صياح أهل الزوراء»[١].
وجاءَ في كلٍّ من (القاموس) و (تاج العروس) انَّ الزوراء بالمدينة قرب المسجد[٢].
وجاءَ في (فتح الباري):
«وجزمَ ابنُ بطّال بأنَّه- أي الزوراء- حجر كبير عند باب المسجد، وفيه
[١] ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج: ٣، ص: ١٥٦.
[٢] - انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج: ٢، ص: ٤٢، وتاج العروس للحنفي، المجلد الثالث، ص: ٣٤٦.