البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٤ - ٢- النداء الثاني يوم الجمعة
نظر لما في رواية ابن إسحاق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجة بلفظ: (زادَ النداءَ الثالثَ على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء)، وفي روايته عند الطبراني:
(فأمرَ بالنداءِ الأول على دارٍ له يُقال لها الزوراء، فكان يؤذَّن له عليها، فإذا جلسَ على المنبر أذَّنَ مؤذنُه الأوَّل، فإذا نزل أقامَ الصلاة)، وفي رواية له من هذا الوجه: (فأذن بالزوراء قبلَ خروجه ليُعلم الناسَ انَّ الجمعة قد حضرت)، ونحوه في مرسل مكحول المتقدم.
وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس: «انَّ نبيَّ اللَّه وأصحابه كانوا بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق»[١].
فأنتَ ترى- أيُّها القارئ الكريم- من خلال هذه الأقوال انَّ (الزوراء) التي كانت موضعاً يؤتى النداء الجديد بالقرب منه، ليست ببعيدة في جميع معانيها المتقدمة عن باب المسجد النبوي الذي يؤذن من عنده لصلاة الجمعة بالأذان الشرعي المسنون.
فلماذا إذن ضمُّ النداءِ إلى النداء، والخروج عن تعاليم الشريعة السمحاء؟!
ثانياً: لو سلَّمنا أنَّ هناكَ كثرة سكانية قد حصلت لأهل المدينة آنذاك، ولو افترضنا أنَّ (الزوراء) كانت موضعاً بعيداً عن المسجد النبوي، وانَّ هناكَ ضرورة قائمة لاعلام البقية المتبقية من المسلمين بشروع صلاة الجمعة، فانَّ هذا الأمر لا يشفع أيضاً في قبول تبرير هذه (البدعة) بما ذُكر ولا بغيره من ألوان الانتحالات والأعذار، إذ إنَّ من الممكن أن يتعددَ المؤذنونَ، ويلبّوا هذه الحاجة من دونِ أن يتكرر النداء، ويُعمد إلى التشريع في مقابل السنة الثانية.
وتعدد المؤذنين لصلاةٍ واحدةٍ أمر جائز ومسنون، وقد أفتى به علماء العامة في كتبهم، ورووا له ما صحَّ من الأخبار.
[١] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٢، ص: ٣٩٤.