البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٨ - فعل السلف
الابتداع بمثل هذا النمط من الأفعال المحكومة بالتغيّر والتبدّل على مرِّ الأزمنة والعصور؟
فصحيح انَّ الامور العبادية والأحكام التشريعية الاخرى لا يمكن أن تُقتطع عن الممارسات الاجتماعية والعرفية التي يزاولها الإنسان في حياته، ولا يصح أن تُلغى تلكَ العادات والأجواء المتغيرة التي تحف بالامور الشرعية، والتي تختلف عادةً باختلاف طبائع الناس وأساليبهم الحياتية المتنوعة من جهة، وتتغير تبعاً لتصاعد الزمن من جهة اخرى، ولكنِّ هذا لا يعني عدم إمكانية النظر الى الامور العبادية، والأحكام التشريعية التوقيفية الاخرى، بمعزل عن هذهٍ التغيرات، وتحصينها من التعديل والتبديل، وايجاد الأغطية الشرعية الكافية لحمايتها من ظاهرة (الابتداع)، بل نجد انَّ هذه التعاليم المقدسة تحتفظ بجميع خصائصها ومميزاتها وأهدافها التربوية في كل الأزمنة، ولمختلف القوميات والأقليات البشرية، ولا يمكن أن يطرأ عليها التغير، باعتبار أنَّها تنطلق من واقع فطرة الإنسان، وتنسجم مع توجهاته الفطرية الثابتة في كل مراحله وعصوره، على حدٍ سواء.
فنحن نجد أنَّ هناكَ فرقاً كبيراً وشاسعاً بين مَن يسافر الى الحج على ظهر الدابة، ومَن يسافر لأداء هذه الفريضة على متن الطائرة، وبين مَن يصلّي على الأرض أو على بساطٍ من الخوص ومَن يصلي وتحت قدميه سجادة فاخرة، وبينَ مَن يقرأ القرآن على الألواح والأكتاف والجلود ومَن يقرأه على الاوراق الصقيلة وبالحرف الجميل الواضح، وبينَ مَن يتعبّد في المساجد في الحرّ القائض وهو يروِّح على وجهه وجسده بثيابه، ومَن يتعرض خلال ذلك لنسيم مكِّيفات التبريد، وبينَ مَن يطلق صوته على المنبر بأقصى ما يمتلكه من طاقة ووسع ليسمع البعيد من الحاضرين المواعظَ والخطبَ الاسلامية، وبين مَن يستعين بمكبرات الصوت