البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩ - فعل السلف
معنا بعد ذلك على حقيقة الأمر فيه.
* يقول (ابن تيمية) حول المولد النبوي الشريف: «.. فإنَّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف رضي اللَّه عنهم أحق به منّا، فإنَّهم كانوا أشد محبةً لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص»[١].
فعمدة الدليل عند (ابن تيمية) لرمي الاحتفال في يوم المولد النبوي بالابتداع هو عدم فعل السلف له، وفي حقيقة الحال انَّ هذه الذريعة هي آخر ما يمكن أن يتشبث به (ابن تيمية) لإدخال هذا الامر في دائرة الابتداع، إذ لا يسعه إنكار ما ورد بشأن الحث على توقير رسول اللَّه ونصرته وتبجيله، من نصوص غفيرة، كما لا يتسنى له القول بانَّ مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا تعبر عن تلك الادلة العامة، ولا تكون مصاديق وموارد تطبيقية لها .. فاذن لا يوجد محيص عن اعتبار فعل السلف حجّة، والتمسك به، لإدخال الاحتفال بالمولد في دائرة الابتداع!
ومما يدلل على اعتراف (ابن تيمية) باندراج عمل المولد تحت عموميات التشريع التي تحث المسلمين على محبته، وتوقيرة، وتبجيله صلى الله عليه و آله و سلم قوله: «وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإمّا محبةً للنبي صلى الله عليه و آله و سلم، وتعظيماً له، واللَّه قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع، من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم عيداً، مع اختلاف الناس في مولده»[٢].
فهذا النص يوضّح انَّ الاحتفال بالمولد من مظاهر محبة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، ومن مصاديق الاجتهاد في تعظيمه، وتوقيره صلى الله عليه و آله و سلم، وأنَّ بالإمكان أن يُحمل عمل
[١] - ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٩٤- ٢٩٥.
[٢] - ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٩٤- ٢٩٥.