البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٧ - ١- الاختصاص بالامور الشرعّية
فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللَّه»[١].
إنَّ هذه الحادثة وإن كانت مبنية على عدم التفريق بين ما ورد فيه دليل عام، وبين ما ورد فيه دليل خاص .. إلّاانَّها تعكس مدى ما كان يحمله بعض المسلمين من فهم ساذج لمفهوم الابتداع.
ونظير ذلك ما ذكره (ابن الحاج) في (المدخل) حيث يقول: «و قد كانَ عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما مارّاً في طريق بالبصرة، فسمع المؤذن، فدخل الى المسجد يصلّي فيه الفرض فركع، فبينما هو في أثناء الركوع، وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد وقال: حضرت الصلاة رحمكم اللَّه. ففرغ من ركوعه، وأخذ نعليه، وخرج، وقال: واللَّه لا اصلّي في مسجدٍ فيه بدعة»[٢].
لقد نشأ هذا الفهم الخاطئ لمعنى (البدعة) من الاعتقاد بأنَّ كلَّ أمرٍ حادثٍ لم يكن موجوداً في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، ولم يرد بشأنه دليل معيّن يخصه بالذكر، فانَّه داخل في حيِّز الابتداع.
ومن هنا يأتي ما طالعناه آنفاً من العبارات المتقدمة التي يعدُّ البعضُ فيها نخلَ الدقيق من البدع المحدثة في الدين، ويعدُّ البعض الاخر وضعَ المرء رداءه بين يدي الصف في الصلاة من البدع أيضاً، كما يرى آخر انَّ التحية بعبارة (كيف أصبحت) من مصاديق الابتداع، ويعدّون أيضاً إدخالَ المراوح الى المساجد، والمصافحةَ بعد الصلاة، وسكبَماء الورد على القبر، وفرشَ البسط في المساجد أو على المنابر، ولبسَ ما زادت قيمته على المائة درهم من الثياب ... يعدّون كل ذلك بدعاً محرَّمة، يجب محاربتها، والقضاء عليها. وما كان حجتهم في ذلك إلّا أنّ هذه الامور وأمثالها لم تكن موجودة في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، وانَّها تفتقد إلى النص
[١] - ابن الجوزي، تلبيس ابليس، تحقيق د. الجميلي، ص: ٢٥.
[٢] - ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٦٢.