البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩ - 3- السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
«سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض»[١].
وقد كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يحث المسلمين على ضرورة تتبع أمر الدين، وتحرّي أحكامه وتعاليمه عن طريق السؤال، ويشجعهم على ممارسة هذا السلوك النافع من خلال اصغائه العميق لهم، واهتمامه البالغ بما يبثّونه إليه من مسائل واستفسارات، وكان صلى الله عليه و آله و سلم لا يتوانى ولا يصيبه الضجر، من الاستماع إلى أية مسألة شرعية، صغيرة كانت أم كبيرة، وانما كان من خُلقه العظيم، وهديه الرفيع، أن يعير حواسه باهتمام إلى مَن يقصده بالسؤال والحديث، ويستمع لهذا، ويجيب ذاك، من دون أي ملَل أو امتعاض، يقول اللَّه تعالى مبيناً هذه الصفة القيادية الفذّة في شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)[٢].
ولعلَّ من غير الخفي علينا أنَّ (السؤال) الذي ورد الحث عليه في لسان النصوص الشرعية المتقدمة، إنما يتعلق بالامور التي ينبغي للانسان أن يطّلع عليها ويتعلمها ويجري على مقتضياتها، في تعديل سلوكه وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية، والتحرّي عن تفاصيل الأحكام الشرعية، وتحصيل أكبر رصيد منها، عن طريق التعلم والاكتساب، ولذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«سل عمّا لابدَّ لكَ من علمه، ولا تُعذر في جهله»[٣].
هذا النوع من السؤال يكتسب الأهمية العلمية أولًا، من خلال ما يفتح
[١] - نهج البلاغة: الخطبة/ ١٨٩.
[٢] - التوبة: ٦١.
[٣] - غرر الحكم: الحكمة/ ٥٥٩٥.