البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣ - 3- السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
من العلوم المتاحة، من جميع جوانبه وجهاته، وفي مختلف مراحله وأدواره، فضلًا عن أن يحيط بكل العلوم البشرية، ويلم بها جميعاً، اللهمَّ إلّامَن وهبه اللَّه العصمة، وخصَّه بالإلهام، من أنبيائه وأوصيائه عليهم السلام، فأودعهم علم ما كان وما يكون، ضمن خصوصيات تفصيلية، لا يمكن التطرق اليها في هذا البحث.
وإذا كان شأن الإنسان في المعارف الحسيّة كذلك، فإنَّ مما لا شك فيه، أنه سوف لن يكون نصيبه من معارف الغيب أحسن من ذلك، فهناك الكثير من المعارف الغيبية التي يقف عقل الإنسان عاجزاً عن فهمها، والإحاطة بها، وإدراكها، على ما هي عليه في واقع الأمر، على الرغم من أنه يكوِّن فكرةً عامة لها، ويأخذ مفهوماً إجمالياً عنها.
والشريعة الإسلامية قد كلَّفت الإنسان في مثل هذه الموارد بأن يؤمن بهذه المعارف والتعاليم، بشكلها الذي يتوصل إليه الإدراك الطبيعي، ومن خلال الفهم الواعي لخطوطها الإجمالية العامة، ومن دون حاجة إلى أن يكلّف نفسه الاستغراق في أبعادها التفصيلية، التي قدَّرت الشريعة أنها تكون عادةً خارج حدود إمكاناته الخاصة، وقدراته الذهنية الطبيعية.
ولا أروع من كلمات صادق أهل البيت عليه السلام إذ يبِّين هذهِ الحقيقة بالقول:
«يابنَ آدم، لو أكل قلبَك طائرٌ لم يُشبعه، وبصركَ لو وُضع عليه خرقُ ابرةٍ لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السموات والأرض! إنْ كنتَ صادقاً، فهذهِ الشمس خلق من خلق اللَّه، فإن قدرتَ أن تملأ عينيكَ منها، فهو كما تقول»[١].
ومن هذا الباب جاءَ النهي عن السؤال عن الذات الإلهية المقدسة، والتفكير في هذا الجانب الغيبي العميق، إذ لا يمكن لمن يعيش الإمكان من أساسه، أن يدرك خصائص الواجب بالذات، الذي تقف عنده سلسلة العلل والأسباب.
[١] - محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن الكلام في الكيفية، ح: ٨، ص: ٩٣.