البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١ - 3- السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال:
«شهدت علي بن أبي طالب يخطب، فقال في خطبته: سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلّاحدثتكم به، سلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّه ما من آية إلّاأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل.
فقام إليه ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذرواً؟ فقال له:
ويلك سل تفقّهاً ولا تسأل تعنّتاً، والذاريات ذرواً: الرياح، فالحاملات وقراً:
السحاب، فالجاريات يسرا: السفن، فالمقسمات أمراً: الملائكة»[١].
الزاوية الثانية:
أن يسأل الانسان عن تفاصيل الامور الشرعية التي تمَّ السكوت عنها، ولم تُبيَّن للناس في أحكام الشريعة الواردة والواصلة إليه من قريب أو بعيد، وقد يكون السؤال هنا ناتجاً عن اللامبالاة، أو محاولة التنصّل والخلاص من التكليف، أو الرغبة في التحدّي والتعجيز .. أو غير ذلك من الدواعي الاخرى، إلّاانّا نجد في الغالب انَّ هذا السائل حينما ينكشف له واقع الأمر، ويقف على حقيقة هذه الأحكام ويُشرَّع بشأنه منها ما لم يكن قد كُلِّف به سابقاً .. نجده يتهرّب من أداء هذا التكليف والقيام بواجب اللَّه فيه.
ولذا نرى أنَّ الشريعة الإسلامية- ومن باب الرحمة بالإنسان والإرفاق به- تنهاه عن تكلّف الامور، والإلحاح في طلبها واستقصائها، والاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية، والوسائل المتاحة، لأنَّ الشارع المقدّس لو كان يريد الزيادة على ذلك، لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس، ولم يكتفِ بذكرها إجمالًا، ولو كانت هناك ضرورة تقتضي- في ملاكات الشريعة- أن يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته، على نحو الإلزام، أو ممّا هو دون ذلك، مما فيه رغبة مولوية خاصة، لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه .. فما سكتت عنه
[١] - علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٢، ح: ٤٧٤٠، ص: ٥٦٥.