البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٤ - قصد التشريع
هذين العنوانين، وحاول أن يرمي المسلمين بذلك غفلة عن جواز نسبة هذه الامور إلى الدين من جهة الأدلة العامة الشاملة لها، وانَّ الأمر غير مقتصر على القول بتشريعه من حيث الخصوصيات التفصيلية.
ونجد الجذور العميقة لهذا النحو من الخلط أيضاً تمتد إلى صدر الإسلام الأول، حيث كان يظن البعض انَّ الإتيان بأي أمرٍ حادث لم يرد بشأنه الدليل الخاص، أو انَّه لم يكن موجوداً في عصر التشريع، يعدّ من الابتداع، ولم يلتفتوا إلى إمكانية نسبة مثل هذه الامور الحادثة إلى الدين عن طريق الأدلة العامة الواردة بشأنها.
وفي الحقيقة انَّ هذا الامر راجع الى نوايا المكلفين ودوافعهم النفسية نحو القيام بالممارسات التي تنضوي تحت العموميات والأدلة الكلّية المشروعة، ولا يصح التسرّع باطلاق لفظ (البدعة) على تلك الممارسات بمجرد وقوعها، لأنَّ هذا سيؤدي الى الخلط في المفاهيم، والاضطراب في تطبيقاتها على مواردها الحقيقية.
ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا نماذج كثيرة من أقوال البعض حول رمي مثل هذه الممارسات المشروعة بالابتداع، مع إمكانية تصحيح صدورها عن طريق النية المذكورة.
على أنّا نكتفي بإيراد بعض مظاهر وقوع هذا الخلط في حياة المسلمين الأوائل، والتي نقلها البعض في كتبهم من دون أن يوردوا عليها تعليقاً، أو انَّ البعض كان يعدّ معالجتها بهذهِ الطريقة الخاطئة ناتجة من دوافع الحرص على التشريع، وانَّها كانت من حالات (الابتداع) المحرَّمة في حياة المسلمين.
فمن تلك المظاهر ما مرَّ معنا من: «أنَّ سعداً بن مالك سمع رجلًا يقول: لبيكَ ذا المعارج، فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللَّه»[١].
[١] ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص: ٢٥.