البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٧ - ه- اقامة المآتم ومجالس العزاء
المتقدم، إذ انَّ هناك خصوصيات أساسية متممِّة قد أغفلها صاحب القاعدة، ومَن هامَ إعجاباً بها في آن واحد، تلك هي مراعاة طبيعة المجتمع، وعاداته، وأعرافه ..
ومثل هذا الأمر موكول الى سليقة الناس، وطبائعهم، وتقاليدهم الخاصة، يعبّرون عنه كيف يشاؤون، ويأتون به بالطريقة التي تفرضها ضرورات الحياة، ومتطلّبات العصر، وأعراف المجتمع، بشرط أن لا يصطدموا مع خطوط الشريعة الحمراء، ولا ينسبوا العمل بكيفيته التفصيلية إلى الشرع المقدس، عندما لا يرد بشأنه دليل خاص، وهذا ما يحصل في هذه المجالس والمآتم، فهي تشتمل على الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم، وإطعام الطعام، وإكرام الضيف، ومواساة المؤمنين، وتسلية المصابين ... وكل هذه الامور قضايا مندوبة ومستحبة، ولا توجد أية مساحة للمخالفة الشرعية في عناوينها وتطبيقاتها في هذه المجالس.
أضف الى أنَّ مقيمي هذه المجالس وحضّارها لا يدّعون وجوبها وحتميتها، ولذا نرى أنَّ بعضهم يكتفي بمراسيم التشييع والدفن ليس غير، وأما البعض الآخر فيبذل ما يقدر عليه من برٍّ وإحسان حسب وسعه وطاقته.
فطبيعة المجتمع إذن لها مدخلية في رسم الصورة النهائية لهذا النمط من التعبير العاطفي المسموح به في ثوابت الشريعة، وهو أمر مغروس في نفوس الناس، ومختزن في أعماقهم، غاية الأمر أنَّ هناك اختلافاً في طريقة ترجمته على الواقع العملي المعاش، وهذا الاختلاف ينتج عن الاختلاف في أعراف الناس وطبعائهم.
بل ويمكن أن نلتمس من نفس كلام (الغزالي) شاهداً ومؤشّراً على كون اصول هذا العمل كانت موجودةً فيما سبق، إلّا انَّها كانت بدرجة محدودة، وبمستوىً ضئيل، يتناسب مع طبيعة المجتمع القائم آنذاك، ونوع الأعراف والتقاليد التي كانت تحكمه وتسوده، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الناس كانوا جديدي عهدٍ بأحكام الشريعة وتعاليمها وأسرارها، فقد مرَّ معنا انَّه يقول: «ثم