البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٦ - ه- اقامة المآتم ومجالس العزاء
يستعين (الغزالي) بهذه القاعدة على نسبة (الابتداع) إلى مَن يقيم مآتم العزاء، ومجالس الترحّم على الموتى، ويطعم الطعام، ويقرأ القرآن، ويوزِّع السجائر والأشربة! فيقول:
«كانَ الناس يموتون، ولم يتجاوز الأمر عند موتهم الدفن بعد صلاة الجنائز، ثم قبول العزاء على نحوٍ عابر لا افتعال فيه.
وربما كلّف جيران الميت بإعداد الطعام لأهله، فانَّ مصابهم شغلهم عن إعداده لأنفسهم، لكنَّ مسلمي اليوم رأوا أن يجتمعوا عقب الوفاة في أندية أو سرادقات، يستمعون فيها الى القرآن، ويستقبلونَ فيها الوفود، وتوزع فيها السجائر والأشربة، ويتكلَّف فيها أهل الميت ما يبهظهم.
والجماهير ترى أنَّ قراءة القرآن في حشدٍيضم المعزّين لا بدَّ منه، ولكنَّ العلماء مجمعون على أنَّ الرسول وصحابته لم يفعلوا هذا مع وجود الداعي له وهو الموت، وطلب الثواب، وانتفاء المانع فالأمن مستقر والتجمع سهل.
وما دام الأمر كذلك فالترك سنّة، والفعل بدعة»[١].
ونحن نعجب لصاحب هذه الشخصية العلمية كيف ينحى هذه الطريقة الخطيرة من التفكير؟ وكيف يسمح لنفسه نعت مثل هذه الأعمال المشروعة بالابتداع، في الوقت الذي لم يُعهد من ممارسي هذه الأعراف القول بانَّها ضرورة لا بدَّ منها كما ذكر في كلامه؟
وحتى القاعدة التي تم استشهاده بها، والتي كانت تمثل ظفراً علمياً نفيساً بالنسبة إليه، لا تصلح لأن تكون ضابطة لحد الابتداع، إذ ليس المدار في انطباق مفهوم (البدعة) على الامور الحادثة هو عدم فعلها في حياة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مع وجود الداعي لذلك وارتفاع المانع عنه، على ما صوَّره (الغزالي) في كلامه
[١] محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص: ١٤٣.