نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٨٤ - الجزئي والكلي
وسابعاً: إنَّ الجزئي لا يحصل في العقل فكيف العقل يحكم بعدم صدقه على الكثيرين وكيف يجعل قسماً من المفهوم مع انَّ المفهوم ما حصل في العقل.- وجوابه- إن الجزئي وإن كان يحصل في الحس المشترك بواسطة أحد الحواس إلا انَّه تحصل صورته بعد هذا في العقل ولذا يحكم عليه العقل بالأحكام الخاصة به. ومراد الحكماء بأنه لا يحصل في العقل ابتداءً من غير استعانة بآلة ادراكية وسيجيء إن شاء الله لهذا زيادة توضيح وبيان في جواب الإيراد الثاني عشر في هذا المقام.
وثامناً: إنَّ مفهوم الجزئي يجوّز العقل صدقه على كثيرين بدليل انّا اذا رأينا شبحاً ولم نميزه عن غيره يجوّز العقل بأنه زيد أو عمر أو خالد أو غير ذلك فقد جوّز العقل صدق هذه الصورة على كثيرين مع انَّها مفهوم جزئي وصورة جزئية وهكذا اذا رأينا شيئاً خارجياً وكانت له أمثال كثيرة ثم اختلط بأمثاله فما ارتسم في عقل الرائي من ذلك الشيء يجوز العقل صدقه على كثيرين لأنه يجوّز صدقه على كل واحد من أمثاله ولذا يبقى الذهن متردداً بينها وقد مثّل له بالصورة الحاصلة من بيضة خاصة اذا بدلت بأخرى من دون التفات الرائي فانَّه يجوّز العقل صدقها على كل واحدة منها وأمثلة المقام أكثر من أن تحصى.- وجوابه- إن العقل لم يجوّز صدقه على كثيرين وإنما يراه صادقاً على فرد واحد مشخص لا غير غاية الأمر انَّه اشتبه عليه ذلك الفرد فهو جزئي معيّن لا يعلم مميزه عن غيره ولذا لو اجتمعت تلك الأفراد لم يصدق عليها بأجمعها كما هو شأن الكلي إذا اجتمعت أفراده فهو نظير الصورة للشيء المأخوذة في القرطاس في ترددها بين كثيرين. والحاصل انَّ التجويز العقلي في مثل الشبح والبيضة إنما هو بمعنى الشك والترديد والتجويز العقلي في الكلي هو جزم العقل بأنه صالح في نفسه للصدق على كثيرين.
وتاسعاً: إنَّ مفهوم الجزئي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين لأن كل جزئي يمكن فرض صور متعددة له في الأذهان ويكون مفهومه صادقاً عليها صدق المفهوم على أفراده لأن الأشياء توجد بأنفسها في الذهن فقد جاز صدق الجزئي على كثيرين فيكون كلياً. توضيح ذلك انَّ زيداً مثلًا اذا تصوره جماعة من الناس فقد حصلت صورته في ذهن كل واحد منهم وقد تقرر في فن الحكمة انَّ الأشياء تحصل بأنفسها في الذهن لا بأشباحها فيكون مفهوم زيد صادقاً على جميع هذه الصور لأنها نفس (زيد).- وجوابه- نعم الأمر كذلك ولكن المعتبر في الكلي هو جواز صدقه على أفراده النفس الأمرية إذ المتبادر من الكثيرين هو الكثرة في نفس الأمر لا الكثرة الذهنية والمتبادر من الصدق هو الحمل بالنحو المتعارف والمفهوم الحاصل من زيد وإن كان له صور كثيرة في الذهن لكنه لا يحمل عليه بالنحو المتعارف وإنما يكون متحداً معها عند حذف العوارض الذهنية منها وليس له كثرة في نفس الأمر لأن جميع صور (زيد) الذهنية عين ذاته في نفس الأمر. إن قلت: انَّ من الكليات ما لا يكون لها أفراد إلا في الذهن كالكليات الفرضية نحو اللا شيء وكالمعقولات الثانية التي ظرف عروضها الذهن كالنوع والجنس والفصل. قلنا: امَّا الكليات الفرضية فانَّما كانت كليات لأن العقل لو نظر اليها في حد ذاتها يجوّز صدقها على الكثيرين بالكثرة الخارجية والميزان في الكلية هو الجواز العقلي لا فعلية الصدق. وأمّا المعقولات الثانية فلأن أفرادها النفس الأمرية هي تلك المعلومات الذهنية. وأفرادها الذهنية هي تصور تلك المعلومات لأن أفراد النفس الأمرية هي الأفراد الموجودة في موطنها ويرتب عليها الآثار سواء كان موطنها الخارج أو الذهن. وافرادها الذهنية هي تصور تلك الأفراد وتعقلها في الذهن بنحو الحكاية عن تلك الأفراد النفس الأمرية.