المباني في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - السيد محمد تقي الخوئي - الصفحة ٦١
يتحقّق في موردين : ادعائه على غيره شيئاً من مال أو حق . أو اعترافه بثبوت حق لغيره عليه مع دعواه الأداء والوفاء ، كما لو أقرّ بدين لغيره على نفسه وادّعى الأداء فإنّ المطالب وإن كان هو المقرض ولو ترك ترك ، إلاّ أنه لما اعترف الطرف الآخر به كان هو المدّعي والملزم بالإثبات لدى العقلاء .
ومن هنا فإن كان هذا من طَرف واحد فهو المدّعي ، والطرف الآخر هو المنكر . وإن كان من الطرفين ، بحيث يدّعي كلّ منهما على الآخر شيئاً وهو ينكره ، فهو التداعي ، فيلزم كلّ منهما ببناء العقلاء بإثبات ما يدعيه ، فلا بدّ من التحالف . فإن حلفا سقطت كلتا الدعويين ، وإلاّ فدعوى الذي لم يحلف خاصة .
هذا كله بحسب كبرى المسألة . وأما بلحاظ تطبيقها على المقام ، فقد يفرض أن المالك يدّعي القرض والعامل يدّعي المضاربة الفاسدة ، وكانت المعاملة خاسرة ، فبناءً على ما تقدّم منه (قدس سره) من استحقاق العامل لاُجرة المثل في المضاربة الفاسدة مطلقاً ـ وإن ناقشنا فيه على تفصيل تقدّم ـ فهو من مصاديق التداعي ، حيث يطالب كلّ منهما الآخر بشيء . فالمالك يدّعي القرض ويطالب العامل بتمام المال من دون أن يتحمل شيئاً من الخسارة ، والعامل يدّعي المضاربة الفاسدة ويطالب المالك باُجرة مثل عمله ، فيتحالفان لا محالة .
وأما لو انعكس الأمر بأن كانت التجارة مربحة ، والمالك يدّعي المضاربة الفاسدة كي يكون تمام الربح له ، والعامل يدّعي القرض ليحرمه منه ، فليس المورد من التداعي في شيء . وذلك لأنّ المالك بدعواه المضاربة الفاسدة لا يطالب العامل بشيء كي يكون عليه إثباته ، وإنما يكفيه عدم ثبوت ما يدّعيه العامل ، لأنّ انتقال الربح التابع لرأس المال قهراً إلى العامل بالقرض هو الذي يحتاج إلى الإثبات ، فإن أثبته بالبيّنة كان الربح له ، وإلاّ حلف المالك وأخذه بتمامه .
وبعبارة اُخرى : إنّ المالك لا يحتاج في أخذ الربح إلى إثبات كون العقد مضاربة فاسدة ، فإنه لا يلزم العامل بشيء ، وإنما يطالبه بربح ماله بعد أن يثبت كونه قرضاً .
ومن هنا فالنماء له حتى ولو لم يدع المضاربة الفاسدة ، حيث يكفيه مجرّد إنكاره للقرض .