المباني في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - السيد محمد تقي الخوئي - الصفحة ٥٠٩
الدالّة صريحاً على جواز الرجوع قبل الإبراء . وعندئذ يكون التقدّم معهما ، لرجحانهما عليهما بموافقتهما للكتاب العزيز ، حيث إنّ مقتضى عمومات الوفاء بالعقود الحكم باللّزوم وعدم جواز رجوع المحتال على المحيل ثانياً .
على أننا لو غضضنا عن صحيحتي أبي أيوب ومنصور بن حازم ، لم يكن مجال للعمل بمعتبرة زرارة في حدّ نفسها والقول باعتبار الإبراء في تحقق براءة ذمّة المحيل فإنّ هذه المعتبرة متضمنة لما لا يمكن الالتزام به ، ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهله .
وذلك فلأن الحوالة : إمّا أن تكون في نفسها وقبل الإبراء من المحتال صحيحة وموجبة لنقل ما في ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، وإمّا أن تكون فاسدة غير مؤثرة في النقل والانتقال .
فعلى الأوّل ، فاعتبار الإبراء من تحصيل الحاصل ، لتحقق البراءة بحسب الفرض قبله ، فإنّ الدَّين إذا انتقل عن ذمّة المحيل برئت ذمّته لا محالة وإلاّ لما كان الدَّين منتقلاً .
وعلى الثاني ، فالإبراء وإن كان موجباً لبراءة ذمّة المحيل حينئذ كما هو واضح لعدم تحققها قبله ، إلاّ أن معه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه ، نظراً لعدم انتقال المال إلى ذمّته وعدم اشتغالها به له .
فالجمع بين الحكمين ـ جواز رجوع المحتال عليه بموجب الحوالة واعتبار إبرائه في براءة ذمّة المحيل ـ جمع بين المتنافيين ولا يمكن المساعدة عليه .
وبعبارة اُخرى : إنّ الإبراء ـ الذي هو بمعنى إسقاط المحتال للدَّين الثابت في ذمّة المحيل ـ إمّا أن يكون بعوض وبإزاء اشتغال ذمّة المحال عليه به ، وإما أن يكون مجاناً .
فعلى الأوّل ، فهو عين القبول وليس شيئاً في قباله ، فإنّ قبول المحتال للحوالة إنما يعني موافقته على ما أنشأه المحيل من براءة ذمّته واشتغال ذمّة المحال عليه . ومما يساعد على إرادة هذا المعنى من الإبراء ، أنه لم تذكر في الرواية قبولاً للمحتال بغير هذا العنوان ـ الإبراء ـ .
وعلى الثاني ، فإن كانت الحوالة هذه محكومة بالصحّة وانتقال ما في ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، فلا موضوع للإبراء المجاني ، لعدم اشتغال ذمّة المحيل حينئذ بشيء .