المباني في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - السيد محمد تقي الخوئي - الصفحة ٢٢٣
أن حقيقة الإنشاء في قبال الأخبار ليست إلاّ إبراز أمر نفساني ، غير قصد الحكاية عن وقوع شيء في الخارج أو عدمه .
فإنّ هذا الاعتبار إذا صدر ممن له الأهلية ، كان موضوعاً لترتب الآثار عليه .
ومن هنا فيصح الإنشاء بكل ما يكون مبرزاً ومظهراً لذلك الاعتبار عرفاً ، سواء في ذلك عقد المزارعة وغيره . فيصح الإنشاء بصيغة الماضي والمضارع والأمر بالعربية وغيرها ، ولذا يصحّ إنشاء الملكيّة في الهبة بصيغة الأمر ، حيث يكتفى فيها بقول الواهب للموهوب له : (خذ هذا) ونحوه .
والحاصل أنّ العبرة إنما هي بدلالة اللفظ على الأمر الاعتباري الكامن في النفس فإنّه لو تمّت دلالته صدق العقـد عليه ، وشملته أدلة إمضاء ذلك العقـد من قبل الشارع .
هذا مضافاً إلى كفاية إطلاقات أدلّة صحة المزارعة في المقام ، فإنها وبمقتضى عدم تحديدها بلفظ خاص ، شاملة لكل ما يصدق عليه عنوان المزارعة ، أعني اتفاق مالك الأرض والعامل على أن يعمل الثاني في أرض الأوّل بشرط أن يكون الربح بينهما سواء أكان ذلك بالجملة الفعلية أو الماضوية أو العربية أم لم يكن .
كما ورد ذلك في المساقاة ، حيث دلّت صحيحة يعقوب بن شعيب على جواز إنشائها بصيغة الأمر . فقد روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال : سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه وفيها ماء أو نخل أو فاكهة ، ويقول : اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج الله عز وجل منه ؟ قال : "لا بأس" [١] .
والذي يتحصل مما تقدّم أنه ما لم يدلّ دليل خاص على اعتبار لفظ معين في وقوع معاملة ، فمقتضى مطلقات المزارعة ـ في خصوص المقام ـ وقوع المعاملة بكل لفظ يكون كاشفاً عن ذلك الاعتبار النفساني ، ولو كان ذلك الكاشف جملة اسمية ، فضلاً عن كونها فعلية بصيغة المضارع أو الأمر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ، ج ١٩ كتاب المزارعة والمساقاة ، ب ٩ ح ٢ .