مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار - السيد الشفتي - الصفحة ١٦٥ - الوجه الأوّل
و يمكن توجيهه من وجوه:
منها: أن تكون كلمة «من» للتقليل كما في قوله تعالى: مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا [١] و المعنى فيما نحن فيه: فيؤخذ به لأجل استفادة حكمنا.
و منها: أن تكون بمعنى «عند» كما في قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً [٢] و المعنى: فيؤخذ به عند إظهار حكمنا و استفادته.
و منها: أن تكون بمعنى «في» كما في قوله تعالى: إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [٣] و المعنى: فيؤخذ به في مقام استفادة حكمنا.
وجه الدلالة: هو أنّ المجمع عليه في قوله (عليه السلام) «المجمع عليه أصحابك» أعمّ من أن يكون الإجماع في الرواية أو العمل أو كليهما فيشمل الجميع. و المراد: أنّه حين الاختلاف يؤخذ بالرواية المجمع عليها، سواء كان الإجماع في العمل بها أو في روايتها أو كليهما.
و قوله (عليه السلام): «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» تعليل للأخذ بذلك، فمقتضاه جواز الأخذ بكلّ المجمع عليه و لو لم تظهر الرواية التي عليها الإجماع كما لا يخفى على المتأمّل؛ لوضوح أنّ التعليل بذلك إنّما يحسن إذا كان المجمع عليه حجّة مطلقة، فالمستفاد منه حجّية الرواية التي أجمع الأصحاب على روايتها أو العمل بها، و كذا حجيّة الإجماع مطلقا و لو لم يحصل العلم بقول المعصوم و لم يظهر مستنده؛ لما نبّهنا من أنّ التعليل بذلك إنّما يحسن على هذا التقدير، سيّما بعد وضع المظهر مقام المضمر، و لا ينافيه قوله (عليه السلام): «و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك»؛ لوضوح صدقه على ما خالف الإجماع، فلا يصلح لصرف السابق عن ظاهره، كما لا يخفى وجهه على من دقّق النظر في ذلك، و القرينة الصارفة لا تكون إلّا عند المعاندة.
[١]. نوح (٧١): ٢٥.
[٢]. آل عمران (٣): ١٠.
[٣]. الجمعة (٦٣): ٩.