مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار - السيد الشفتي - الصفحة ١٨٩ - و الوجه الخامس
و غير ما ذكر من الآيات الكثيرة المضاهية لما ذكر. و هذا القسم ممّا اختلف فيه، و ستقف على تحقيق الحال في ذلك.
إذا علم ذلك نقول: إنّ الآية المذكورة و هو قوله تعالى: إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ ... إلى آخره من القسم الثاني، فالمستفاد منه أنّ جزاء تلك الفرقة الخاسرة ما ذكر في أي زمان، و مقتضاه أن يكون المتصدّي لإقامة ذلك الجزاء عليهم هو العالم به.
و إن أردت أن تنكشف عليك حقيقة الحال فتأمّل فيما أبيّن لك من المثال.
فنقول: إنّ ذلك نظير سلطان يكتب في دفتر: إنّ جزاء من ارتكب تلك الفاحشة من الرعيّة ذلك الأمر، و أرسل بتوسّط حاكم منصوب منه إليهم، ثمّ يموت الحاكم فيما بينهم و لم تبلغ أيدي الرعايا إلى ذلك السلطان، لكن يبقى ذلك الدفتر فيما بينهم.
و العقل يقضي بحسن قيام العالم بكيفيّة ذلك الجزاء على من ارتكب تلك الفاحشة، لا سيّما بعد ملاحظة أنّ الداعي لوضع ذلك الجزاء صونا للناس عن الهلاك، و حفظا للنظام بين العباد. فلو قام بذلك الجزاء العالم به و اتّفق أنّ السلطان بعد مرور الأزمان ألقى إليه السؤال: لم فعلت ذلك؟ و ذكر في مقام الجواب بأنّ الموجود في الدفتر الذي أرسلت إلينا جزاء هؤلاء الفرقة الخاسرة ذلك، و لم يكن فيه أنّ المقيم فيه لا بدّ أن يكون شخصا معيّنا، و تأمّلنا فوجدنا الإخلال ممّا فيه مظنّة المؤاخذة؛ فلذلك أقمنا ذلك، و علم السلطان صدقه من قلوبهم، فلا شبهة في حسن الجواب، و قبح المؤاخذة، كما لا يخفى على ذي فطنة و دراية.
و من الآيات المشار إليها قوله تعالى: وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا [١]، و الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٢].
اعلم أنّ هاتين الآيتين من القسم الذي وقع الخلاف فيه بين أئمّة الأصول في اختصاصه بالموجودين في زمان الخطاب أو لا؟
[١] المائدة (٥): ٣٨.
[٢] النور (٢٤): ٢.