المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٤٣١ - مساوئ الحمقى
قيل: و قدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقضوا حوائجهم و انصرفوا.
فقال رجل منهم: بلغني أن أمير المؤمنين يبرز للعامة فأنا أقيم بعدكم يوما أو يومين فلعلّي أن أراه و أسمع كلامه ثمّ أتبعكم.
فلمّا كان الغد برز سليمان للناس و جلس على سريره و أذن للعامّة فدخلوا و فيهم العراقيّ. فجلس في سماط سليمان إلى جنب رجل أحمق من أهل الشأم. فقال له الأحمق:
ممّن الرجل؟قال: أنا من أهل العراق.
و قال: فعل اللّه بك و فعل، و جعل يشتمه و يذكر أباه و عرضه، و قال: مثلك يقعد في سماط أمير المؤمنين!و العراقيّ يناشده اللّه و يسأله أن يكفّ عنه فيأبى، إلى أن قال سليمان:
أيّكم يخبرني من الذي يقول:
أنخن القرون فعقّلنها # كعطف العسيب عراجين ميلا
و يفسّر لنا قوله فله جارية برحالتها؟و الشامي مقبل على العراقيّ لا يفتر عن شتمه و يقول: يا جاسوس. فقال له: كفّ عني فإني أنفعك. قال: و هل معك خير؟قال: نعم، قم فقل لأمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا و أفسّره، فإذا قال: من قاله؟فقل: امرؤ القيس، فإذا قال: ما عنى به؟فقل: البطّيخ. فقال الشاميّ: يا أمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا و أفسّره. فقال: هات. قال: امرؤ القيس. فتبسّم سليمان و قال: فما عنى به؟قال: البطّيخ.
فضحك سليمان حتى استلقى على فراشه ثمّ قال: ويحك عمّن أخذت هذا العلم؟فقال: عن هذا العراقيّ.
فأشار سليمان إلى العراقيّ فأقبل إليه، فقال له: من أنت؟قال: رجل من أهل العراق كنت قدمت مع فلان و فلان فقضوا حوائجهم و انصرفوا فأقمت أرقب جلوس أمير المؤمنين فقعدت إلى هذا الشاميّ فلم يدع سبّا و لا شتما إلاّ استقبلني به. فقلت له كفّ عني فإني أنفعك، قل لأمير المؤمنين كذا و كذا، فكان منه ما قد سمعته. فضحك و قال: أ تعرف أنت من قاله؟قلت: كثيّر عزّة. قال: و ما عنى به؟قلت: قرون الرأس، و العسيب الخادم، و العراجين قد اختلفوا فيه فقال بعضهم عناقيد الكرم و قال بعضهم عراجين النخل. فأمر له بجائزة سنيّة و قال له: الحق بأصحابك.
و حكي عن أبي عباد الكاتب أنّه قال: كنت يوما عند المأمون فدعا بالغداء و كان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام و يقول: هذا من أخلاق اللئام، فقدّموا إليه بطّيخا على أطباق جدد فجعل يقوّر بيده و يذوق البطّيخة فإذا حمد حلاوتها قال: ادفع هذه بسكّينتها إلى فلان. فقال لي و قد دفع إلي بطّيخة كانت أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدلّ على