المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٧٩ - محاسن صلات الشعراء
الذي ما رامه أحد إلا جعل اللّه خده الأسفل و لكن لأذكرك!قلت: فأنشدني ما قلت.
فأنشدني، فقلت: أعنت و أجدت. فتركني و خرج حتى أتى الشأم و المأمون بسلغوس، فأخبرني قال: بينا أنا في غزاة قرة قد ركبت نجيبي و لبست أطماري و أنا أريد العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره و لا يدرك خطاه، فتلقاني مكافحة و مواجهة و قال: السلام عليكم، بكلام جهوري و لسان بسيط. فقلت: و عليكم السلام. فقال: قف إن شئت.
فوقفت، فتضوعت منه رائحة المسك الأذفر. فقال. ممن؟قلت: رجل من مضر. قال:
و نحن من مضر، ثم ما ذا؟قلت: من بني تميم. قال: و ما بعدهم؟قلت: من بني سعد. قال:
هيه، فما أقدمك؟قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة و لا أوسع باحة و لا أطول باعا و لا أمد يفاعا منه. قال: فما الذي قصدته به؟قلت: شعر طيب يلذ على أفواه الرواة و يحلو في أذن المستمعين. قال: فأنشدنيه. فمضيت و قلت: يا ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته و مديح حبرته فتقول أنشدنيه؟فقال: و ما الذي تأمل فيه؟قلت: إن كان على ما ذكر لي فألف دينار. قال: أنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا و الكلام عذبا و أضع عنك العناء و طول الترداد، متى تصل أنت إلى الخليفة؟بينك و بينه عشرة آلاف رامح و نابل. قلت: فلي عليك اللّه أن تفعل؟قال: لك اللّه علي أن أفعل. قلت: و معك مال؟قال:
بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره. قال: فغضبت و عارضتني مرة بني سعد و خفة أحلامها و قلت: ما يساوي هذا البغل، هذا النجيب!قال: فدع هذا و لك اللّه أن أعطيك ألف دينار، فأنشدته الأرجوزة و قلت:
مأمون يا ذا المنن الشّرفه # و صاحب المرتبة المنيفة
و قائد الكتيبة الكثيفة # هل لك أرجوزة ظريفه
أظرف من فقه أبي حنيفة # لا و الّذي أنت له خلفه
ما ظلمت في أرضنا عفيفه # أميرنا شكّته خفيفه
و ما اجتبى شيئا سوى الوظيفه # فالذّئب و النّعجة في سقيفه
و اللّصّ و التّاجر في قطيفه
فو اللّه ما أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق و هم يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأخذني القلق، و نظر إلي بتلك الحال و شملي قد تبدد فقال: لا بأس عليك!قلت: يا أمير المؤمنين أ معذري أنت؟قال: نعم. ثم التفت إلى خادم في جانبه و قال له: أعطه ما معك، فأخرج له كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار و قال: هاك سلام عليك، فكان آخر العهد به.