المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٩١ - محاسن الوفاء
هؤلاء القوم و منتهم، لا أستفيء إلا بظلها و لا أعرف غيرهم سادة و لا كبراء و لا أئمة و لا خلفاء، فأردت أن أكفر هذه النعمة و أجحد هذا المعروف و أبايع رجلا ما امتحن للتقوى و لا أفاد علما للهدى و لا جرت له على ملّيّ و لا ذمي يد سالفة و لا نعمة سائرة، افترى على اللّه جل ذكره، و لو فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق و شكر المنعمين قال: فسكت الرجل و لم يحر جوابا، و كان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا. و قال بعضهم: إنه كان دسيس المأمون.
برون الكبير قال: وجه إلي المأمون و قد مضى من الليل الثلث فقال لي: يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخا يرد خرابات البرامكة فيبكيهم و يندبهم و ينشد أبياتا من الشعر فاركب أنت و علي بن محمد و دينار بن عبد اللّه حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد و بكى و أنشد فأتوني به. قال برون: فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات، و إذا الخادم قد أتي معه زلّيّة رومية و كرسي جديد، و إذا شيخ و سيم جميل له صلعة و هامة فجلس يبكي يقول:
و لمّا رأيت السّيف قد قد جعفرا # و نادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدّنيا و أيقنت أنّه # قصارى الفتّى يوما مفارقة الدّنيا
أ جعفر إن تهلك فربّ عظيمة # كشفت و نعمى قد وصلت بها نعمى
فقل للّذي أبدى ليحيى و جعفر # شماتته أبشر لتأتيهم العقبى
لئن زال غصن الملك عن آل برمك # فما زال حتى أثمر الغصن و استعلى
و ما الدّهر إلاّ دولة بعد دولة # تبدّل ذا ملك و تعقب ذا بلوى
على أنّها ليست تدوم لأهلها # و لو أنّها دامت لكنتم بها أولى
بني برمك كنتم نجوما مضيئة # بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى
لأيّكم أبكي أ للفضل ذي النّدى # أم الشّيخ يحيى أم لمحبوسه موسى
أم الملك المصلوب من بعد عزّة # أم ابكي بكاء المعولات أم الثكلى
لكلّكم أبكي بعين غزيرة # و قلب قريح لا يموت و لا يحيا
قال: فتراءينا له ثم قبضنا عليه، فجزع و فزع و قال: من القوم؟فقال برون: أنا حاجب أمير المؤمنين و هذا فلان و فلان. قال: و ما الذي تريدون؟قال برون: فأعلمته ما أمر أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه. قال: ذرني أوص فإني لا آمنه، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضا و أوصى فيه وصية خفيفة و دفعها إلى الغلام و سرنا به، فلما مثل بين يدي المأمون زبره و قال: من أنت و بما ذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم؟قال: يا أمير