المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٧٢ - محاسن كلام عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنه
رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي، فقال حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه و جازه، فقال: موعدك مكة. فبقى التميمي دهرا ثم أراد دخول مكة فقال: من يجيرني من حرب بن أمية؟فقالوا: عبد المطلب. قال: عبد المطلب أجل قدرا من أن يجير على حرب، فأتى ليلا دار الزبير بن عبد المطلب فدق عليه، فقال الزبير للغيداق [١] : قد جاءنا رجل إما طالب حاجة و إما طالب قرى و إما مستجير و قد أعطيناه ما أراد قال: فخرج إليه الزبير، فقال التميمي:
لاقيت حربا الثّنيّة مقبلا # و الصّبح أبلج ضوأه للسّاري
فدعا بصوت و اكتنى ليروعني # و دعا بدعوته يريد فخاري
فتركته كالكلب ينبح وحده # و أتيت أهل معالم و فخار
ليثا هزيرا يستجار بقربه # رحب المباءة مكرما للجار
و لقد حلفت بزمزم و بمكّة # و البيت ذي الأحجار و الأستار
إنّ الزّبير لمانعي من خوفه # ما كبّر الحجّاج في الأمصار
فقال: تقدّم فإنا لا نتقدم من نجيره. فتقدم التميمي فدخل المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فعدا حتى دخل دار عبد المطلب فقال: أجرني من الزبير، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي هناك ساعة ثم قال له: اخرج. فقال: كيف أخرج و تسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب؟فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان خضراوان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه.
قال: و حضر مجلس معاوية عبد اللّه بن العباس و ابن العاص، فأقبل عبد اللّه بن جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني و الطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدوف عن السنان، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ بالسلف، منافق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت و اللّه أنت و ليس كما ذكرت، و لكنه للّه ذكور، و لنعمائه شكور، و عن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، ماجد لهميم [٢] ، إن ابتدأ أصاب، و إن سئل أجاب، غير حصر و لا هياب، و لا فحاش عياب، حل من قريش في كريم النصاب، كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس يدعي لدعي، و لا يدني لدني، كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا و أدناها منصبا، ينوء منها بالذليل و يأوي منها إلى القليل، يتذبذب بين الحيين كالساقط بين
[١] الغيداق من الغلمان الذي لم يبلغ.
[٢] اللهميم من الرجال الرغيب الرأي الكافي العظيم.