المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٦١ - مساوئ من ارتد عن الإسلام
و يا ليتني أرعى المخاض بقفرة # و لم أنكر القول الذي قاله عمر
و يا ليت لي بالشّام أدنى معيشة # أجالس قومي في العشيّات و البكر
أدين لما دانوا به من شريعة # و قد يجلس العير الضجور على الدّبر
قال: ثم دعا بغدائه فتغدينا، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربط [١] و في يد الأخرى مزمار فجلستا، ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام في مسك مسحوق و في يد الأخرى جام مملو ماء ورد، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرجين فسقطا في الجام و احتملا المسك بجناحيهما فرشاة علينا، و قال جبلة للمغنيتين:
غنيانا، فغنتاه:
لمن الدّار أقفرت بمعان # بين أعلى اليرموك فالمسربان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّهـ # ر و حقّ تصرّف الأزمان
قد أراني هناك حقا مكينا # عند ذي التّاج مقعدي و مكاني
قال: ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته، ثم قال: غنّياني فغنّتاه:
للّه درّ عصابة نادمتهم # يوما بجلّق في الزّمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من هبط البريص [٢] عليهم # بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
ثم قال لي: ما فعل ابن الفريعة؟يعني حسان بن ثابت. قلت: حي إلا أنه كف بصره.
فوجد من ذلك وجدا شديدا و بكى و قال لخادم له: انطلق فاتني بأربعمائة دينار، فأتاه بها، فناولنيها و قال: أوصلها إلى حسان.
ثم ودعته و خرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة و لقيت حسان و دفعت إليه الدنانير، فقال:
إن ابن جفنة من بقية معشر # لم يغذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشأم إذ هو ربّها # يوما و لا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل فما يراه عنده # إلا كبعض عطية المذموم
ما جئته إلا و قرّب مجلسي # و دعا بأفضل زاده المطعوم
[١] البربط: الآلة الموسيقية المعروفة بالعود.
[٢] البريص: نهر في دمشق.