المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٩٦ - محاسن بر الآباء
الخير لمن رزقه اللّه، فاحذر شبابك و إيّاك أن تعلم في قلبك زهوّا أو كبرا فإنّه ما لم يكن من ذلك كان خيرا، و احفظ لسانك و نفسك حفظا ترجو فيه رحمة اللّه جلّ و عزّ و مغفرته، و اذكر صغر أمرك و حقارة شأنك و لا تبغ في ما أعجبك من نفسك و فيما عسيت أن تفرط فيه ممّا ليس معه غير الفكرة في أمرك و أمره، و ليس كتابي هذا لأن يكون بلغني عنك إلاّ خيرا، غير أنّه قد بلغني عنك شيء من بعض إعجابك بنفسك، و لو بلغني أن ذلك خرج عنك إلى أمر كرهته لبلغك عني أمر يشتدّ عليك كراهته و عرّفت مع ذلك أن الشباب و الحرص و النعمة يحمل ذلك كلّه على أمر شديد إلاّ ما وقى اللّه و دفع، فكن يا بنيّ على حذر، فإنّ الشيطان قلّ ما يصيب فرصته بمن احترس منه بدعاء اللّه جلّ اسمه و التواضع له، و أكثر تحريك لسانك في ليلك و نهارك بذكر اللّه فإنّ أحسن ما وصلت به حديثا حسنا ذكر اللّه جلّ اسمه، و أحسن ما قطعت به حديثا سيّئا ذكر اللّه تبارك و تعالى، و أعن على نفسك بخير. نسأل اللّه و لك حسن التوفيق و السلام.
قال ميمون: ثمّ قال لي عمر: إنّ ابني عبد الملك قد زيّن في عيني و أنا متّهم لنفسي فيه و أخاف أن يكون هواي فيه قد غلب على علمي به و أدركني ما يدرك الوالد من الإشفاق على ولده فأته و اسبره ثمّ ائتني بعلمه ثمّ انظر هل ترى منه ما يشاكل النّخوة فإنّه غلام حدث و لا آمن عليه الشيطان.
قال ميمون: فخرجت إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت و دخلت، فإذا غلام ابن ستّ عشرة سنة جالس على حشيّة بيضاء أحسن الناس تواضعا و إذا مرافق بيض و بساط شعر. فرحّب بي ثم قال: قد سمعت أبي يذكر منك ما أنت أهله و إني أرجو أن ينفع اللّه بك و قد حسبت أن يكون قد غرّني من نفسي حسن رأى والدي فيّ و ما بلغت من الفضل كلّ ما يذكر، و قد حذرت أن يكون الهوى قد غلبه على علمه فأكون أحد آفاته. قال ميمون: فعجبت من اتّفاقهما فقلت له: أعلمني من أين معيشتك؟قال: من عطاي و من غلّة زراعة اشتريت عن ظهر يد ممّن ورثها عن أبيه فوهبها لي فأغناني بها عن فيء المسلمين. قال: فقلت: فما طعامك؟ فقال: ليلة لحم و ليلة عدس و زيت و ليلة خلّ و زيت و في هذا بلاغ. قال فقلت له: أ فما تعجبك نفسك؟فقال: قد كان فيّ بعض ما كان فلمّا وعظني أبي في كتابه بصّرني نفسي و ما صغّر من شأني و حقّر من قدري فنفعني اللّه جلّ و عزّ بذلك فجزاه اللّه من والد خيرا. فقعدت ساعة أحدّثه و أتسمّع من منطقه فلم أر فتى كان أجمل وجها و لا أكمل عقلا و لا أحسن أدبا على صغر سنّه و قلّة تجربته منه.
قال ميمون: فلمّا كان آخر ذلك أتاه غلام فقال: أصلحك اللّه قد فرغنا قال: فسكت.