المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٩٢ - مساوئ من سخط عليه و حبس
بات ليلي بالأنعمين طويلا # أرقب النّجم ساهرا أن يزولا
أزجر العين أن تبكّي الطّلولا # إنّ في الصّدر من كليب غليلا
إنّ في الصّدر غلّة لن تقضّى # ما دعا في الغصون هديلا
لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا # و أخو الحرب من أطاق النّزولا
قال أبو أحمد بن القاسم بن واضح، رحمه اللّه: كان محمّد بن الواثق و هو المهتدي باللّه قبل الخلافة يكثر عند المعتزّ باللّه الجلوس و الخلافة يومئذ بسرّ من رأى فيرجع المعتزّ إلى قول محمّد في أموره و ما يمضيه و يبرمه، و كان كثير المعارضة لأمّ المعتزّ فيما تأمر به و تنهى، فلم تزل بالمعتزّ إلى أن أمر بإحداره إلى مدينة السلام على كره منه، فلمّا أمر بذلك كان وزيره أحمد بن إسرائيل منحرفا عن محمّد بن الواثق و أحبّ أن يخرجه مع حرمه نهارا ليسوءه و يضع منه، فسأل محمّد بن الواثق القاسم بن واضح لحال كانت بينهما و زلفة كانت له عنده متقدّمة أن يدخل مع صاحبه المعروف بالطوسيّ و يسأله أن يخرجه و حرمه ليلا، ففعل و كلّم أحمد بن إسرائيل و رقّقه و لاطفه، فغضب أحمد و احتدّ، و كان غير حافظ للسانه قليل الفكر في العواقب متهوّرا، فأطلق لسانه بكلام بشع قبيح و قال: من هو و من بناته و حرمه الكذا الكذا حتى لا يخرجون نهارا!فقال القسم: ليت أن رجلي انكسرت و لم أحضر هذا المجلس. و قام معه الطوسيّ رسول محمّد بن الواثق و ما زال يسأله أن لا يردّ خبر المجلس و لا يحكي الكلام الذي بدر من أحمد بن إسرائيل، فوعده و خالفه لما فارقه و لم يصبر حتى مضى فحكاه لمحمّد بن الواثق، و أحدر محمّد مع حرمه نهارا إلى مدينة السلام، فوقر ذلك في نفس محمّد و حقده على أحمد بن إسرائيل. فلم يمض ألاّ القليل حتى قعد محمّد بن الواثق في الخلافة بعد قتل المعتزّ.
و كان رجلا تقيّا متألّها يؤثر العدل و الإنصاف و يتحرّج و يحبّ إظهار السّنن الحسنة و إقامة الدين على شرائعه المستوية و أعلامه القديمة من الخلفاء الذين عدلوا، إلاّ أنّ أيّامه قصرت و كان الأتراك قد غلبوا على الخلافة لكثرة معارضتهم للخلفاء و إضعافهم أيديهم و إنهائهم أمرهم.
فأمر لمّا ولي الخلافة بالقبض على أحمد بن إسرائيل و أبي نوح الكاتب و الحسن بن مخلد. و كانت عليهم تدور دولة المعتزّ من قبله. و رسم أن يضرب أحمد بن إسرائيل بباب العامّة ألف سوط فإن مات و إلاّ زيد ضربا حتى يتلف، و ذلك لما كان منه من القول الذي كان سبب تلفه. فراسل أحمد القاسم بن واضح في أن يشفع له إلى المهتدي، ففعل و كتب إليه رقعة وصلت مع خادم له اسمه مستطرف، فوقّع المهتدي: هذا رجل لنا في جنبه حدود أنت