المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٤٩ - محاسن الشدة
و إذا ما تكلّم القوم يوما # في النّدى قال قولا غير سديد
و كان جندب فيه دمامة مع إمساك غير أنّه كان ليثا في الحرب، فأجابه:
ليس زين الفتى الجمال و لكن # زينه الضرب بالحسام التّليد
و كان جندب عائفا فقال: و اللّه لا تموت حتى تنصر عليك ظعينة. و إنّ عوانة خرج يوما يتصيّد على فرسه و معه قوسه فسار غير قليل إذ عرضت له جارية قد حملت وطبا من لبن فهمّ بها فدنا فقال: تمكّنيني طائعة أو تقهرين؟فقالت: لا إحداهما. فنزل إليها فأخذت ساعديه بإحدى يديها فما زالت تعصرهما حتى تركتهما و ما يستطيع أن يحرّكهما ثمّ كتفته بوتر قوسه و شدّت حبل الفرس في جيده ثمّ قالت: خذ بنا نحو محلّة جندب. فمرّ يقود الفرس في جيده حبل. فلمّا قارب الحيّ بصر بجندب مقبلا فناداه: أيّها المرء الكريم انصر أخاك ظالما أو مظلوما!فذهب مثلا، فأطلقه.
و منهم كليب بن شؤبب الأزدي كان أخبث أهل زمانه في قطع الطريق وحده، و كان كثير الغارة على طيء، فدعا حارثة بن لأم الطائي رجلا من قومه يقال له عبرم، و كان شجاعا، فقال له: أ ما تستطيع أن تكفينا هذا؟قال: نعم. فأرسل العيون حتى علم مكانه فانطلق إليه حتى وجده نائما في ظلّ أراكة و فرسه مشدود عنده، فنزل عبرم و رجل معه فمشيا حتى أخذ كلّ واحد منهما بإحدى يديه، فانتبه و نزع يده اليمنى فقبض على حلق صاحب اليسرى و هو عبرم فما زال يخنقه حتى قتله. و قد كان أعدّ قوما فلحقوه و هم عشرة فوجدوه قتيلا، و أخذوا كليبا فكتفوه و ساقوه، و أنشأ خوذة بن عبرم يرثي أباه و يقول:
إلى اللّه أشكو أن أءوب و قد ثوى # قتيلا و أودى سيّد القوم عبرم
فمات ضياعا هكذا بيد امرى # لئيم فلو أدمي لما كنت أثلم
و لكن ثوى لم يكلم السّيف جيده # و لا ناله رمح و لم يرق الدّم
فأنت ابن شؤبوب فيا لهفتا له # و ما جزّ من أظفاره منك أكرم
سأسقيك قبل الموت كأسا مزاجها # ذعاف من السّمّ النّقيع و علقم
فأجابه كليب:
أ خوذة إن تفخر و تزعم بأنّني # لئيم و يأبى لي قتالي عبرم
فأقسم بالبيت المحرّم من منى # و برّ يميني صادقا حين أقسم
لضبّ بقفر من قفار و ضبعة # خموع و يربوع الفلا منك أكرم
ألا عجبا من فخر هذا و أمّه # سواديّة و الجدّ علج مكدّم
أ توعدني بالمنكرات و إنّني # صبور على ما ناب جلد مصمّم