المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٠٣ - المناظرات في الأدب
قلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الأكام، و اليتيم الواحد من كلّ شيء، و الأرانب الأكام. ثمّ أنشدني لآخر أيضا:
إلى اللّه أشكو هجمة هجريّة # تعاورها مرّ السّنين العوابر
فعادت رذايا تحمل الطّين بعد ما # تكون قرى للمعتفين المفاقر
قلت: هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر فجفّت فقطعها و صيّرها أجذاعا و سقّف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرّطب، فأكل و أطعم الأضياف فجفّت فقطعتها و سقّفت بها البيوت فهي تحمل الطين، يعني ما فوقها من اللبن و التراب و غير ذلك.
ثمّ أنشدني لرجل آخر:
و سرب ملاح قد رأيت وجوههم # إناث أدانيه ذكور أواخره
يعني الأضراس، ثمّ أنشدني لآخر:
فإني إذا كالثّور يضرب جنبه # إذا لم يعف شربا و عافت صواحبه
قلت: نعم، كانت العرب إذا أوردت البقر الماء فشربت الثيران و أبت البقر ضربت الثيران حتى تشرب البقر، و هو كما قال: كالثور يضرب لمّا عافت البقر. ثمّ أنشدني:
و منحدر من رأس برقاء حطّه # مخافة بين أو حبيب مزايل
قلت: نعم، يعني الدموع، و البرقاء العين لأن فيها سوادا و بياضا، حطه أساله، حبيب محبوب، مزايل مفارق. قال: فوثب الرشيد فجذبني إلى صدره و قال: للّه در أهل الأدب!ثم دعا بجارية فقال لها: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته، ثم قال: استنشدهما، يعني ابنيه، فأنشدني محمد الأمين:
و إني لعفّ الفقر مشترك الغنى # و تارك شكل لا يوافقه شكلي
و شكلي شكل لا يقوم بمثله # من النّاس إلاّ كلّ ذي نيقة مثلي
و لي نيقة في المجد و البذل لم يكن # تأنّقها فيما مضى أحد قبلي
و أجعل مالي دون عرضي جنّة # لنفسي و أستغني بما كان من فضلي
و أنشدني عبد اللّه المأمون:
بكرت تلومك مطلع الفجر # و لقد تلوم بغير ما تدري
ما إن ملكت مصيبة نزلت # إذ لا يحكّم طائعا أمري
ملك الملوك عليّ مقتدر # يعطي إذا ما شاء من يسر
فلربّ مغتبط بمرزئة # و مفجّع بنوائب الدّهر
و مكاشح لي قد مددت له # نحرا بلا ضرع و لا غمر