المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٠٢ - المناظرات في الأدب
درهم. قال النضر بن شميل: حدّثني الفرّاء عن الكسائيّ قال: دعاني الرشيد ذات يوم و ما عنده إلاّ حاشيته فقال: يا عليّ أ تحبّ أن ترى محمّدا و عبد اللّه؟قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين و أسرّ إليّ معاينة نعمة اللّه جلّ و عزّ على أمير المؤمنين فيهما و بهما، فأمر بإحضارهما، فأقبلا كأنهما كوكبا أفق يزينهما هديهما و وقارهما، قد غضّا أبصارهما و قاربا خطوهما، حتى وقفا بباب المجلس فسلّما بالخلافة ثمّ قالا: تمّم اللّه على أمير المؤمنين نعمه و شفعها بشكره و جعل ما قلّده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمدا اختصّه به و أخلصه له بالبقاء و كثّره لديه بالنماء و لا كدّر عليه منه ما صفا و لا خالط مسروره الردى، فقد صرت للمسلمين ثقة و مستراحا إليك يفزعون في أمورهم و يقصدون في حوائجهم، فأمرهما بالدنوّ و صيّر محمّدا عن يمينه و عبد اللّه عن يساره ثمّ التفت إليّ فقال: يا عليّ ما زلت ساهرا مفكرا في معاني أبيات قد خفيت عليّ. قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن ينشدنيها؟فأنشدني:
قد قلت قولا للغراب إذ حجل # عليك بالقود المسانيف الأول
تغدّ ما شئت على غير عجل
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أنّ العير إذا فصلت من خيبر و عليها التمر يقع الغراب على آخر العير فيطردها السوّاق، يقول هذا: تقدّم إلى أوائل العير فكل على غير عجل، و القود الطوال الأعناق، و المسانيف المقدمة. ثمّ أنشدني:
لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى # نهاق الحمار إنّني لجهول
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكبّ على أربع و عشّر تعشير الحمار، و هو أن ينهق عشر نهقات متتابعات، يفعل ذلك ليدفع عن نفسه حمى خيبر.
ثمّ أنشدني في قول الآخر:
أ جاعل أنت بيقورا مضرّمة # ذريعة لك بين اللّه و المطر
قلت: نعم، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشدّ العشر و السّلع، و هما ضربان من النبت، و في أذناب البقر و ألهبوا فيه النار و شرّدوا بالبقر تفاؤلا بالبرق و المطر، ثمّ أنشدني:
لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه # إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها
و آذن بالتّصفيق من ساء ظنّه # فلم يدر من أيّ اليدين جوابها
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل إذا ضلّ في المفازة قلب ثيابه و صاح كأنّه يومئ إلى إنسان و يشتدّ شدّة و يصفّق بيديه فيهتدي الطريق. ثمّ أنشدني:
قوداء تملك رحلها # مثل اليتيم من الأرانب