المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٨٦ - محاسن الكذب
أخبرهم بما كتب به إلى عبد اللّه فتعجّبوا من كرمه و احتماله الكذب. و ورد الكتاب بخطّه على عبد اللّه فدعا بالرجل و قد سقط في يده لاعتراض سوء الظنّ بقلبه، فلمّا دخل عليه قال. هذا كتاب أخي قد ورد عليّ بصحة أمرك و سألني تعجيل صرفك إليه. فدعا له بمائتي ألف درهم و بما يتبعها من الدواب و البغال و الجواري و الغلمان و الخلع و سائر الآلة ثمّ أصدره. فلمّا حضر باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه و عرضه عليه، فأمر له يحيى بمثل ذلك و أثبته في خاصّته.
قيل: و كان رجال من أهل المدينة من فقيه و راوية و شاعر يأتون بغداد فيرجعون بحظوة و حال حسنة، فاجتمع عدّة منهم يوما فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الآداب: لو أتيت العراق فلعلّك كنت تصيب شيئا. فقال: أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها!قالوا: نحن نحتال لك، فجهّزوه و قدم بغداد و طلب الاتّصال بعليّ بن يقطين بن موسى و شكا إليه الحاجة! فقال: ما عندك من الآداب؟قال: ليس عندي من الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيّل إلى من سمعها أني صادق. و كان ظريفا مليحا، فأعجب به و عرض عليه مالا فأبى أن يقبله و قال: لست أريد منك إلاّ أن تسهّل إذني و تدني مجلسي. قال: ذاك لك. فكان من أقرب الناس إليه مجلسا حتى عرف بذلك.
و كان المهدي غضب على رجل من القوّاد حتى استصفى ماله فكان يختلف إلى عليّ بن يقطين رجاء أن يكلّم له المهديّ، و كان يرى قرب المدنيّ منه و مكانه، فأتى المدنيّ القائد عشاء و قال له: ما البشرى؟فقال: لك البشرى و حكمك، قال: قد أرسلني إليك عليّ بن يقطين و هو يقرئك السلام و يقول: قد كلّمت أمير المؤمنين في أمرك و رضي عنك و أمر بردّ مالك و ضياعك و يأمرك بالغدوّ عليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكرا، فدعا له الرجل بألف دينار و ثياب و كسوة و حملان و دفعها إليه، و غدا على عليّ مع جماعة من وجوه العسكر متشكّرا. فقال له علي: و ما ذاك؟فقال: أخبرني أبو فلان، و هو إلى جنبه، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري و رضاه عني!فالتفت إلى المدني فقال: ما هذا؟فقال: أصلحك اللّه!هذا بعض ذلك المتاع نشرناه. فضحك عليّ و قال: عليّ بدابّتي، فركب إلى المهدي و حدّثه بالحديث فضحك المهديّ و قال لعليّ: فإنّا قد رضينا عن الرجل و رددنا عليه ماله فأجر على المدنيّ رزقا واسعا و استوص به خيرا. فأجرى عليه و وصله، و كان يعرف بكذّاب الخليفة.
قال: و كتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمّد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية، و هو يومئذ في بادية له و معه عدّة من أصحابه. فأرسل إليه عمر: إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ أن أخطب عليه الشقراء ابنتك فاحضر فارسل إليه. فقال: