المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٦٧ - مساوئ صفة الدنيا
و كلّهم يذمّ زمانه لأنّه يبلي جديدهم و يطوي أعمارهم و يهرم صغيرهم و كلّ ما فيه منقطع إلاّ الأمل. قال: فأخبرني عن فهم. قال: هم كما قال الشاعر:
درج اللّيل و النّهار على فهـ # م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم
و خلت دارهم فأضحت يبابا [١] # بعد عزّ و ثروة و نعيم
و كذاك الزّمان يذهب بالنّا # س و تبقى ديارهم كالرّسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت النّاس مذ خلقوا و كانوا # يحبّون الغنيّ من الرّجال
و إن كان الغنيّ أقلّ خيرا # بخيلا بالقليل من النّوال
فما أدري علام و فيم هذا # و ما ذا يرتجون من البخال
أ للدّنيا فليس هناك دنيا # و لا يرجى لحادثة اللّيالي
قال: أنا و قد كتمتها.
قال: و لمّا دخل عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر:
ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق # تركوا منازلهم و بعد إياد
أهل الحورنق و السّدير و بارق # و القصر ذي الشّرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم # ماء الفرات يسيل من أطواد
أرض تخيّرها لطيب مقيلها # كعب بن مامة و ابن أمّ دؤاد
جرت الرّياح على محلّ ديارهم # فكأنّما كانوا على ميعاد
فأرى النّعيم و كلّ ما يلهى به # يوما يصير إلى بلى و نفاد
فقال عليّ، رضي اللّه عنه: أبلغ من ذلك قول اللّه جلّ و عزّ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ `وَ زُرُوعٍ وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ `وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ `كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: ٢٥-٢٨]، و قال عبد الملك بن المعتزّ: أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلّما نشر بعضها طوي بعضها. و قال: أهل الدنيا كركب يسار بهم و هم نيام.
و قال بعضهم: طلاق الدنيا مهر الجنّة.
و ذكر أعرابيّ الدنيا فقال: هي جمة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر بصاحب.
[١] يبابا أي خرابا.