المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٥٣ - محاسن المواعظ
ثمّ غلّقت عليها أبواب الحديد فاحتجبت عن الناس أجمعين ثمّ أقعدت على الأبواب أقواما عبدوك من دون اللّه.
فلمّا قال له ذلك استوى جالسا ثمّ قال: أنا!قال: نعم أنت، أ ما سمعت اللّه جلّ ذكره يقول: اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [التوبة: ٣١]، ما صلّوا لهم و لا صاموا و لكنّهم أمروهم فأطاعوهم في كلّ ما أرادوا و لم يخالفوهم، فكانت تلك ربوبيّتهم؟ثمّ اتّخذت بطانة يسيرة و قلت يدخل عليّ إلاّ فلان و فلان، فرفع أولئك إليك من أمور المسلمين ما هان عليهم و حفّ عليك، فإذا جاء المظلوم إلى الباب لم يصل إليك فصار إلى بعض من يصل إليك فقال ارفع قصّتي هذه إلى أمير المؤمنين، قال نعم، فدفعها إليه فإذا هو يتظلّم من بعض من يصل إليك، فأرسل إليه الظالم الذي ظلم صاحب القصّة: و اللّه لئن رفعت قصّة فلان إلى أمير المؤمنين لأرفعنّ قصّة فلان الذي ظلمته في كذا و كذا، فأمسك القصّة و لم يرفعها، فعند ذلك اقتطعت حقوق الناس دونك و أنت محصور في قصرك تظنّ أنّك في شيء أو على شيء و الناس وراء بابك يقتلون و يؤكلون.
و اللّه لقد دفعت إلى جزيرة من جزائر البحر و إذا ملك تلك البلاد مشرك و صنمه في كمّه و تسمّى البلاد الصين فرأيته ذات يوم و هو يبكي في مجلسه، فقام إليه وجوه مملكته فقالوا: ما يبكيك أدام اللّه ملكك و أعزّك أيّها الملك، أ ليس قد مكّن اللّه لك، أ ليس قد مهّد اللّه لك؟قال:
أبكي الصّمم قد اعتراني أخاف أن لا أسمع صوت مظلوم و صارخ بالباب، ألا و قد آليت عليكم أن لا يركب منكم الفيل و لا يلبس ثوبا أحمر إلاّ مظلوم حتى أعرفه. قال: فلقد و اللّه رأيته يركب بالغداة و العشي يتصفّح الوجوه هل يرى مظلوما فينصفه، فهذا لا يعرف اللّه جلّ و عزّ و لا يريد بذلك رفعة عند اللّه جلّ و عزّ و لا زلفى لديه و لا رجاء ثواب و لا مخافة عقاب و لكن شفقة على ملكه و خوفا من أن ينتشر عليه أمره فيخاف أن يذهب ملكه، و هو مشرك يفعل هذا و يتفقّده من نفسه و رعيته، و أنت ابن عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كنت أولى بهذا الفعل من ذلك المشرك!
قال: صدقت قد عرفت الذي قلت و فهمت ما وصفت و الأمر على ما ذكرت، و لكن كيف أصنع و قد بليت بأمر الأمّة و دعوت الفقهاء فلانا و فلانا على أن أستعين بهم على ما أنا فيه فهربوا مني؟قال: إنّهم لم يهربوا منك و لكن لم يعلموا أنّك تريدهم للعمل بالحقّ و كان العمل معك و معونتك أوجب عليهم من الصلاة و الصيام و الحجّ و النوافل و لكنّهم هربوا خوفا على أبدانهم من عذاب اللّه و ذلك أنّهم تخوّفوا أن تحملهم على مثل رأيك. قال المنصور: فهذا عمّي عيسى بن عليّ الضامن عليّ أنّك إن أتيتني بهم أطلقت أيديهم في إنصاف الناس و لا