المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٠٧ - مساوئ الفقر
أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة و ذهب ما فيها، فو اللّه لقد فقدت الأهل و المال فما أصبت بشر كان أفزع لقلبي و لا أعظم موقعا عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب القبة و رأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله و هو يقول: صدق أخو بني قيس في قوله:
هم يطردون الفقر عن جارهم # حتّى يرى كالغصن النّاضر
فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك بطني و حفوف الماء و لا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشيا علي، فو اللّه ما أيقظني إلا برد السّحر. فقال زياد: قطني [١] قد اكتفيت بهذا، هذا و اللّه غاية الجهد فالحمد للّه الذي من علينا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و هدانا إلى الإسلام و جعلنا ملوكا. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟فقال:
عامر بن الطفيل. فقال أبو علي: و اللّه كان لها و لأمثالها.
قال و قال عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه: بقد رأيتني في الجاهلية و أخية لي و إنا لنرعى ناضحا لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد [٢] فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي و خرجت عريانا أسعى فنظل نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل و قد صنعت لنا لفيتة من ذلك الهبيد فنتعشى فوا خصباه!قال بعض جلسائه: فو اللّه لقد حسدته على ذلك.
قال: و سئل عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، عن جهد البلاء فقال: قلة المال و كثرة العيال.
و كان الفضيل يقول: المال يسود غير السيد و يقوي غير الأيد.
و في كتاب كليلة و دمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا و أساء به الظن من كان يظن به حسنا، و إن أذنب غيره ظنوه به، و إن كان لسوء الظن و التهمة موضعا حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، و أنشد في ذلك:
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه # و أومت إليه بالعيوب الأصابع
و لآخر:
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه # و ضاقت عليه أرضه و سماؤه
و حار و لا يدري و إن كان حازما # أ قدّامه خير أم وراؤه
[١] قطني: حسبي.
[٢] الهبيد: الحنظل.