المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥٧ - محاسن السخاء
يميني فلان بن فلان التاجر، و عن شمالي فلان بن فلان الكاتب، و في ظهر داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر و لا يقصر، فقال لي. أو تعرفه؟قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك و محلك من هذه الدولة ألا يجترئ أحد أن يشتري شيئا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقا لك و لا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟فأومأت إليه، فقال: علي بنجار، فأتي به، فقال: افتح هاهنا بابا، فأقبل عليه أبوه و قال: نشدتك اللّه يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سببا، و أقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد رد أباه و أخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب و دخل أدخلني معه، فدخلت دارا حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قد واحد و زي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة و المناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا و وقفوا بين يديه و إذا شيخ بهي قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلسا من مجالسه إلا و قد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، و كذلك مرافقها من الستور و البسط و غير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلا فيه أربعمائة رأس من الدواب و البغال و غيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو النساء و الشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ و دخل الفضل و جذبني إلى نفسه و أنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن و حللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجل أم دارك؟فقلت: يا سيدي و ما أنا و ما داري!هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب و الرقيق و الفرش و الأواني لك و لك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره!فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح و أن يعجل الفراغ منه و من بنائه و حولت إليها ما ترى، فبارك اللّه لك فيها!و انصرف بي إلى عند أبيه و أخيه و حدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفرا قد أمعض من ذلك و تغير وجهه تغيرا عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل و يقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يدا أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: و ما هو؟قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج اللّه عنك!
فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات و احتمل عني خراجها، فخرج عني و أنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم و القول بفضلهم؟فقال المأمون: ذهب القوم و اللّه بالمكارم!ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم و تقدم إلى ابن أبي خالد برد مرتبته و تصييره في