المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥٦ - محاسن السخاء
صوف، فأمر فأخذ قيده، فقال: يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بني و بين الحديث فأمر فخلع عليه، فأمر فخلع عليه، ثم قال: هات حديثك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان ولائي و انقطاعي إلى الفضل، فقال لي الفضل يوما بمحضر من أبيه و أخيه جعفر: ويحك يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه و الخليل خليله، فقلت: جعلت فداك شأني أصغر من ذلك و مالي يعجز عنه و باعي يقصر عن ذلك و داري تضيق عنه و منتي لا تقوم له، قال: دع عنك ذلك فلا بد منه، فأعدت عليه الاستعفاء، فرأيته جادا في ذلك مقيما عليه، و سألا ذلك و أعلماه قصور يدي عن بلوغ ما يجب و يشبه مثله، فقال لهما: لست بقانع منه دون أن يدعوني و إياكما لا رابع معنا، فأقبل علي يحيى و قال: قد أبى أن يعفيك و إن لم يكن غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا و اطعمنا من طبيخ أهلك فنحن به راضون و عليه شاكرون، فقلت: جعلت فداك!إن كنت قد عرضت علي ذلك و أبيت إلا هتكي و فضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب، فقال: استأجل لنفسك، فقلت: سنة، فقال: ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة؟فقال يحيى: أفرطت في الأجل و لكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس و اقبله أنت أيضا، فقلت: احكم وفقك اللّه للصواب و تفضل علي بالاستظهار و الفسح في المدة، فقال: قد حكمت بشهرين، فخرجت من عندهم و بدأت برم داري و إصلاح آلتي و شراء ما أتجمل به من فرش و أثاث و غير ذلك و هو في ذلك لا يزال يذكرني و يعد الأيام علي، حتى إذا كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي: يا محمد قد قرب الوقت و لا أحسبه بقي عليك إلا الطعام، قلت: أجل يا سيدي، فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما انبسطت به يدي و مقدرتي، و جاءني رسوله عشية اليوم الذي في صبيحته الدعوة فقال لي: إلى أين بلغت و هل تأذن بالركوب؟قلت: نعم بكر، فبكر هو و يحيى و جعفر و معهم أولادهم و فتيانهم، فلما دخلوا أقبل علي الفضل و قال: يا محمد إن أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها و كبيرها، فقم بنا إليها حتى أدور فيها و أقف عليها، فقمت معه و طاف في المجلس ثم خرج إلى الخزائن و صار إلى بيوت الشراب و خرج في الإصطبلات و نظر إلى صغير نعمتي و كبيرها ثم عدل إلى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها و أبصر قدرا منها، فأقبل على أبيه و قال: هذا قدرك الذي يعجبك و لست أبرح دون أن تأكل منه، ثم كره أن يأكل فيثلم علي في أكله و يفسد طعامه، فدعا برغيف فمسه في القدر و ناول أباه ثم فعل بأخيه و دعا بخلال [١] ، و خرج إلى الدار و وقف في صحنها مفننا طرفه في فنائها و بنائها و سقوفها و أورقتها ثم أقبل علي و قال: من جيرانك؟قلت: جعلت فداك!عن
[١] خلال الدار ما حوالي جدرها و ما بين بيوتها.