المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥٤ - محاسن السخاء
البرمكي، فسكت إلى ذلك و انصرفت إلى منزلي، و مضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال.
و حدث خلف بن عمر المصري قال: كنا عند الفضل ذات ليلة فقال: أ تعرفون رجلا كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه؟فقال الأشعري [١] و كان قاضيا: أعرف، أصلحك اللّه، رجلا شريفا من آل خالد بن عبد اللّه القسري بالكوفة قد أضربت به الحاجة، و سماه له، فكتب إلى عامل الكوفة: احمل إلي فلانا على البريد فقد بعثت بجوازه، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد و وجهه إليه، فلما قدم عليه دعاه و سأله عن حاله و أمر له بمائة ألف درهم و قال: أقم بها مروءتك حتى أنظر في أمرك و أدبر لك ما يصلح حالك، ثم ولاه كرمان [٢] ، فصار إليها و حسنت حاله، ثم إن كتاب صاحب البريد، بها ورد على الفضل بن يحيى بوفاة الكوفي فقال لنا: أ تدرون ما قال الفارسي في مثل له؟فذكر المثل بالفارسية ثم فسره بالعربية فقال: إلى أن يدرك الحشيش قد مات الحمار، أردت بهذا الرجل الغنى فمات قبل ذلك، و اغتم لوفاته لما فاته من الإحسان إليه بعد الذي قد كان أعطاه و أكسبه من مرافق العمل الذي ولاه، و تقدم بحمل جميع ما خلفه إلى أهله فحمل إليهم.
و حدثنا أبو طالب الجعفري قال: حدثني سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يوما و كان قد ركبه دين و حمل حقه فيها جوهر، فلما وصل إليه قال: قد لزمني دين أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم، و علمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها و إن وثّقنا الرهن و لك متعاملون و تجار مطيعون و معي رهن فإن رأيت أن تأمر بقبضه و حمل هذا المال إلينا فإنا أولى بذلك، فقال الفضل: نعم لنا تجار يطيعوننا و يسارعون إلى أمرنا، و لكن ما هذا الرهن؟فوضع الحقة بين يديه، ففتحها حتى نظر إليها فأعجب بالجوهر الذي فيها، ثم أمر بإعادتها إلى حالها و قال: ضع خاتمك عليها، فختمها، قال فقال الفضل: إن نجح الحاجة أن تقيم في منزلي الذي أنا فيه، فقال: يشق علي المقام، فقال: و ما يشق عليك؟إن رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئا دعوت لك به و إلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به، فأقام عنده، و نهض الفضل فدعا وكيله و أمر أن يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ألف ألف درهم مبدرة و يضعها قبالة مجلسه ليراها إذا دخل، ففعل الوكيل ذلك، و انصرف محمد إلى منزله مع المغرب، فلما دخل وقعت عينه على المال فقال: ما هذا؟قالوا: وجه به الفضل، أحسن اللّه جزاءه فإنه و إن كان وجه بذلك على ما رهناه فقد ظهر لنا من عنايته ما قدرناه فيه،
[١] الأشعري علي بن إسماعيل (٢٦٠ هـ-٣٢٤ هـ) متكلم مشهور أسس مذهب الأشاعرة المعتدل.
[٢] كرمان ولاية بين فارس و سجستان و خراسان.