المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥ - محاسن الكتب
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبي خاليا فتمكّنا
و قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير أكثر عقلا و لكنه أكثر شغلا، و كما قال:
و إنّ من أدّبته في الصبى # كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا # بعد الّذي أبصرت من يبسه
و الصبي على الصبى أفهم و له آلف و إليه أنزع، و كذلك العالم على العلم و الجاهل على الجهل، و قال اللّه تبارك و تعالى: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً [الأنعام: ٩].
لأن الإنسان على الإنسان أفهم و طباعه بطباعه آنس، و من التقط كتابا جامعا كان له غنمه و على مؤلفه غرمه، و كان له نفعه و على صاحبه كده، و متى ظفر بمثله صاحب علم فهو و ادع جام و مؤلفه متعوب مكدود و قد كفي مئونة جمعه و تتبعه و أغناه عن طول التفكير و استنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق و التسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه و أجاد في اختياره قال أبو هفان [١] :
إذا آنس النّاس ما يجمعون # أنست بما يجمع الدّفتر
له وطري و له لذّتي # على الكأس و الكأس لا تحضر
تدور على الشّرب محمودة # لها المورد الخرق و المصدر
يغنّيهم ساحر المقلتين # كشمس الضّحى طرفه أحور
و ريحانهم طيب أخلاقهم # و عندهم الورد و العبهر
على أنّ همّتنا في الحروب # فتلك الصّناعة و المتجر
قال: لما قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء. و أنشدنا غيره:
نعم المحدّث و الرفيق كتاب # تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيا سرا إذا استودعته # و تنال منه حكمة و صواب
و قال آخر:
نعم الجليس بعقب قعدة ضجرة # للملك و الأدباء و الكتّاب
ورق تضمّن من خطوط أنامل # مرعى من الأخبار و الآداب
يخلو به من ملّ من أصحابه # فيقال خلو و هو في الأصحاب
[١] عبد اللّه بن أحمد العبدي، أبو هفان راوية عالم بالشعر و الأدب من أهل البصرة.