المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٢ - محاسن التيقظ
أنشدته: كم عيالك؟تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا و من الحطب إلى كذا، فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه و علمه كله.
و حدث بعض من كان في ناحيته قال: رفعت إليه قصة أسأله فيها أجرا و أرزاقا، فقال:
كم عيالك؟فزدت في العدد، فقال: كذبت، فبهتّ و قلت: يا نفس من أين علم أني كذبت! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة، فقال: كم عيالك؟فقلت: كذا، قال: صدقت، و وقع في القصة: يجري على عياله كذا و كذا.
و يقال: إن كسرى أبرويز كان نصب رجلا يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته و طعن في المملكة، فكان الرجل يظهر التأله و الدعاء إلى التخلي من الدنيا و الرغبة في الآخرة و ترك أبواب الملوك، و كان يقص على الناس و يبكيهم و يشوب كلامه في خلال ذلك بذم الملك و تركه شرائع ملته و سنن سيرته و دينه الذي كان عليه، و كان هذا الرجل يمتثل ما حدّه له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته، و كان من يسعى يخبر أبرويز بذلك، فيضحك و يقول: فلان في عقله ضعف و أنا أعلم أنه و إن كان يتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء و لا المملكة بما يوهنها، و يظهر الاستهانة بأمره و الثقة به و الطمأنينة إليه، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن يجيبه و يقول: لا ينبغي لمن خاف اللّه أن يخاف أحدا سواه، فكان الطاعن على الملك و المملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل و الزيارة له و الأنس به، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه و أعانه الخائن و طابقه على ذلك و شايعه، فيقول الناسك: إياك و أن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي، فحصن منه دمك، فيزداد الآخر إليه استنامة و به ثقة، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته: إني قاعد غدا مجلسا للناس أقص عليهم فاحضروه، و يقول لمن هو أشد به ثقة: احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح بعيد الصوت و إن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيرا و سارعوا إلى استجابتي، فيقول الرجل:
إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت، و كانت العلامة بينه و بين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيونا يحضرون متى جلس، فكان الناسك يقص على العامة و يزهد في الدنيا و يرغب في الآخرة و الخائن حاضر، فيأخذ الناس في ذكر الملك، فينهض الخائن، و تجيء عيون أبرويز فتخبره بما كان، فإذا زال الشك عنه في أمره وجهه إلى بعض البلدان و كتب إلى عامله: قد وجهت إليك برجل و هو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره و الأنس به و الثقة إليه و السكون إلى ناحيته فإذا اطمأنّت به الدار فاقتله قتلة