السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٥٢٥ - استخلاف علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه
فلما رآهم علي مختلفين قال: أخرجوني من هذه البيعة و اختاروا لأنفسكم من أحببتم، فسكتوا و قاموا و خرجوا، فدخل عليه المغيرة بن شعبة [١] فقال: يا أمير المؤمنين! إني مشير عليك بخلال ثلاث فافعل أيها شئت، فقال: ما هي يا أعور؟
فقال: إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك؛ فأرى أن تأتي بحمل ظهر فتركبه و تركض في الأرض هاربا من الناس، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك و خيولا، ثم ركضوا في أثرك حتى يدركوك حيث ما كنت و يقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت، فإن لم تفعل هذا فأقرّ [٢] معاوية على الشام كله و اكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه و شرف آبائه و أعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر و عثمان، و اردد عمرو بن العاص على مصر، و اذكر في كتابك شرفه و قدمه، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبر هما عن البلاد و الناس، ثم تبعث بعاملين و تقرهما [٣] عندك؛ فإن أبيت فاخرج من هذه البلاد فإنها ليست ببلاد كراع و سلاح.
فقال علي: أما ما ذكرت من فراري من الناس فكيف أفر منهم و قد بايعوني، و أما أمر معاوية و عمرو بن العاص فلا يسألني اللّه عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً، و أما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها فإني ناظر في ذلك. فخرج من عنده المغيرة ثم عاد و هو عازم على الخروج إلى الشام و اللحوق بمعاوية، فقال له: يا أمير المؤمنين! أشرت عليك بالأمس في رأيي بمعاوية و عمرو، إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع، [٤] فقد عرف السامع من غيره، و تستقبل [٤] أمرك، ثم خرج من عنده فلقيه ابن عباس خارجا و هو داخل، فلما انتهى إليه قال: رأيت المغيرة خارجا من عندك، فيم جاءك؟ قال: جاءني أمس برأي
[١] راجع أيضا الطبري ٥/ ١٥٩.
[٢] في الأصل: فاقدر.
[٣] في الأصل: تفرهما.
[٤] و في الطبري: فيعرف السامع من غيره و يستقبل.