السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٥٦١ - يزيد بن معاوية أبو خالد
الصندوق، و شالوا إليه الرأس، فغسله الديراني و وضعه على فخذه و جعل يبكي الليل كله عليه، فلما أن أسفر عليه الصبح قال: يا رأس! لا أملك إلا نفسي، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن جدك رسول اللّه، فأسلم النصراني و صار مولى للحسين، ثم أحدر الرأس إليهم فأعادوه إلى الصندوق و رحلوا، فلما قربوا من دمشق قالوا: نحب أن نقسم تلك الدنانير، لأن يزيد إن رآها أخذها منا، ففتحوا الصندوق و أخرجوا الجراب بختمه و فتحوه، فإذا الدنانير كلها قد تحولت خزفا، و إذا على جانب من الجانبين من السكة مكتوب وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ و على الجانب الآخر سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، قالوا: قد افتضحنا و اللّه! ثم رموها في بردى [١] نهر لهم، فمنهم من تاب من ذلك الفعل لما رأى، و منهم من بقي على إصراره، و كان رئيس من بقي على ذلك الإصرار سنان بن أنس النخعي.
ثم أركب الأسارى من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من النساء و الصبيان أقتابا يابسة مكشفات الشعور، و أدخلوا دمشق كذلك [٢]، فلما وضع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينقر ثنيته بقضيب كان في يده و يقول: ما أحسن ثناياه [٣]! قد ذكرت كيفية هذه القصة و باليتها في أيام بني أمية و بني العباس في كتاب الخلفاء، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أول هذا الكتاب.
و قد بعث يزيد بن معاوية مسلم [٤] بن عقبة المزني إلى المدينة لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست و ستين، فقتل مسلم بن عقبة بالمدينة خلقا من أولاد
[١] في الأصل: بردا، و راجع أيضا معجم البلدان.
[٢] راجع السمط ٣/ ٨٥.
[٣] راجع السمط و الطبري ٦/ ٢٦٧ أيضا.
[٤] من السمط ٣/ ٥٩، و في الأصل بياض.