السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٤٢٧ - استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي اللّه عنه
أبني [١] ثم أمر أبو بكر أن يبعثوا بعث أسامة بن زيد فقال له الناس: إن العرب قد انتقضت عليك، و إنك لا تصنع بتفرق المسلمين عنك شيئا، قال: و الذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع أكلتني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بإنفاذه، ثم قال أبو بكر لأسامة: إن تخلف معي عمر بن الخطاب فافعل، فأذن له أسامة فتخلف عمر مع أبي بكر و مضى أسامة حتى أوطأهم، ثم رجع فسمع به المسلمون فخرجوا مسرورين بقدومه و لواءه معقود حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم دخل بيته و لواءه معقود، و يقال: إنه لم يحل اللواء حتى توفي [و] [٢] وضعه في بيته [٣].
ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بن جبل يخبره بموت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بعثه مع عمار بن ياسر، و قد كان معاذ أتى اليمن فبينا هو ذات ليلة على فراشه إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه: يا معاذ! كيف يهنئك العيش و محمد في سكرات الموت؟ فوقف فزعا، ما ظن إلا أن القيامة قد قامت، فلما رأى السماء مصحية [٤] و النجوم ظاهرة استعاذ باللّه من الشيطان الرجيم، ثم نودي الليلة الثانية: يا معاذ! كيف يهنئك العيش و محمد بين أطباق الثرى؟ فجعل معاذ يده على رأسه و جعل يتردد في سكك صنعاء و ينادي بأعلى صوته: يا أهل اليمن! ذروني لا حاجة لي في جواركم، [٥] فما شر [٥] الأيام يوم جئتكم [٦] و فارقت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! فخرج الشبان من الرجال و العواتق من النساء و قالوا: يا معاذ! ما الذي دهاك؟ فلم يلتفت إليهم و أتى
[١] في معجم البلدان: أبني: موضع بالشام من جهة البلقاء جاء ذكره في قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لأسامة بن زيد حيث أمره بالمسير إلى الشام و شن الغارة على أبني.
[٢] زيد لاستقامة العبارة.
[٣] و قال الزهري: كان أسامة بن زيد يدعى بالأمير حتى مات، يقولون: بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم لم ينزعه حتى مات- راجع مجمع الزوائد ٩/ ٢٨٦.
[٤] أي بلا غيم، و في الأصل: مصيحة- كذا.
(٥- ٥) في الأصل: فاسر- كذا.
[٦] في الأصل: جاءتكم.