نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٢ - ٧٧ بين الوليد بن يزيد و دحمان المغني
قال: فغنيني صوتا.
فغنّته أصواتا من صنعتي، و غمزتها، أن لا تعرّفيه أنّي دحمان، فطرب، و امتلأ سرورا، و الجارية تغنيه، حتى قرب وقت الرحيل.
فأقبل عليّ، و قال: أ تبيعني هذه الجارية؟ قلت: نعم.
قال: بكم؟ قلت كالعابث: بعشرة آلاف دينار.
قال: قد أخذتها، فهلمّ دواة و قرطاسا، فجئته بذلك، فكتب فيه:
ادفع إلى حامل هذا الكتاب، ساعة تقرأه، عشرة آلاف دينار، و تسلّم الجارية منه، و استعلم مكانه، و عرّفنيه، و استوص به خيرا.
و ختم الكتاب، و دفعه إليّ، و قال: إذا دخلت المدينة، فسل عن فلان، و اقبض منه المال، و سلّم إليه الجارية، ثم ركب، و تركني.
فلما أصبحنا رحلنا، و دخلنا المدينة، فحططت رحلي، و قلت للجارية:
البسي ثيابك، و قومي معي، و أنا-و اللّه-لا أطمع في ذلك، و لا أظنّ الرجل إلاّ عابثا.
فقامت معي، فخرجت بها، و سألت عن الرجل، فدللت عليه، فإذا هو وكيل الوليد بن يزيد، فأتيته، فأوصلت إليه الكتاب.
فلما قرأه، وثب قائما، و قبّله، و وضعه على عينيه، و قال: السمع و الطاعة لأمير المؤمنين، و دعى بعشرة آلاف دينار، فسلّمت إليّ، و أنا لا أصدّق أنها لي.
و قال لي: أقم، حتى أعلم أمير المؤمنين خبرك.
فقلت: حيث كنت، أنا ضيفك، و قد كان أمره لي بمنزل، و كان بخيلا.