نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٦٩ - ٤٣ الخليفة المعتضد دقيق الملاحظة
و قال: مقارع، فضربه نحو مائة مقرعة، و قرّره، و حلف إن لم يصدقه، ضرب عنقه، و أحضر السيف و النطع.
فقال الأسود: لي الأمان؟ فقال: لك الأمان، إلاّ ما يجب عليك فيه حدّ، فلم يفهم ما قال له، و ظنّ أنّه قد آمنه.
فقال: أنا كنت أعمل في أتاتين الآجر سنين [١] ، و كنت منذ شهور هناك جالسا، فاجتاز بي رجل في وسطه هميان فتبعته، فجاء إلى بعض الأتاتين، فجلس و هو لا يعلم مكاني، فحل الهميان، و أخرج منه دينارا، فتأملته، فإذا كله دنانير، فثاورته، و كتفته، و سددت فاه، و أخذت الهميان، و حملته على كتفي، و طرحته في نقرة الأتون، و طيّنته، فلما كان بعد ذلك أخرجت عظامه، فطرحتها في دجلة، و الدنانير معي يقوى بها قلبي.
فأمر المعتضد من أحضر الدنانير من منزله، و إذا على الهميان مكتوب:
لفلان بن فلان.
فنودي في البلدة باسمه، فجاءت امرأة، و قالت: هذا زوجي، و لي منه هذا الطفل، خرج في وقت كذا، و معه هميان فيه ألف دينار، فغاب إلى الآن.
فسلّم الدنانير إليها، و أمرها أن تعتدّ، و ضرب عنق الأسود، و أمر أن تحمل جثته إلى الأتون [٢] .
الأذكياء ٤٢
[١] الأتون: موقد النار، فإن كان لإحراق الآجر، فهو أتون الآجر، و أتون الآجر: موضع يصف فيه اللبن المصنوع من الطين، و تشعل تحته نار تتخلله حتى يحرق فيصير آجرا، و يسمى أتون الآجر في بغداد (كورة) و جمعها (كور) بضم الكاف و فتح الواو.
[٢] وردت القصة في كتاب تحفة المجالس للسيوطي ٣١٤.