نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٢ - ١٥٤ ابن أبي حامد صاحب بيت المال يحسن إلى رجل من المتفقّهة
فقال له: خذها، بارك اللّه لك فيها.
فجزاه أبو حامد، خيرا، و شكره، و سأله قبض المال، و أخبره أنّه على حاله، و قدره ثلاثة آلاف درهم، فأبى أن يأخذه، و طال الكلام في ذلك.
فقال أبو حامد؛ إنما قصدناك نسأل الإقالة، و لم نقصد أخذها على هذا الوجه.
فقال له ابن أبي حامد: هذا رجل فقير، و قد باعها لأجل فقره و حاجته، و متى أخذت المال، خيف عليه أن يبيعها ثانية، ممن لا يردّها عليه، و المال يكون في ذمته، فإذا جاءته نفقة من بلده، جاز أن يردّ ذلك.
فردّ المال له، و سلّمه الجارية و كان عليها من الحلي و الثياب، شيء له قدر كبير.
فقال له أبو حامد: إن رأى-أيده اللّه-أن يتفضّل، و ينفذ مع الجارية، من يقبض هذه الثياب، و الحلي الذي عليها، فما لهذا الفقيه أحد ينفذه به على يده.
فقال: سبحان اللّه، هذا شيء أسعفناها به، و وهبناه لها، سواء كانت في ملكنا، أو خرجت عن قبضتنا، و لسنا نرجع فيما وهبناه من ذلك.
فعرف أبو حامد، أن الوجه ما قاله، فلم يلحّ عليه، بل حسن موقعه من قلبه.
فلمّا أراد لينهض، و يودّعه، قال ابن أبي حامد: أريد أن أسألها، قبل انصرافها، عن شيء. فقال: يا جارية، أيما أحبّ إليك، نحن، أو مولاك هذا الذي باعك و أنت له الآن؟ فقالت: يا سيّدي، أما أنتم، فأحسن اللّه عونكم، و فعل بكم، و فعل، فقد أحسنتم إليّ و أغنيتموني، و أما مولاي هذا، فلو ملكت منه، ما ملك منّي، ما بعته بالرغائب العظيمة.
فاستحسن الجماعة ذلك منها، و ما هي عليه من العقل مع الصبا.
و ودّعوه، و انصرفوا.
المنتظم ٦/٢٥١