نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٦٠ - ١٤٩ أقوال الحكماء في الإسكندر و في عضد الدولة
التي قالها الحكماء العشرة، عند وفاة الاسكندر، فقال الأندلسي: لو قد تقوض مجلسكم هذا، بمثل هذه الكلمات، لكان يؤثر عنكم ذلك، فقال أبو سليمان: ما أحسن ما بعثت عليه، أما أنا فأقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، و أعطاها فوق قيمتها، و حسبك أنه طلب الربح منها، فخسر روحه فيها، و قال الصيمري: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، و من حلم بها فهذا انتباهه، و قال النوشجاني: ما رأيت غافلا في غفلته، و لا عاقلا في عقله مثله، لقد كان ينقض جانبا و هو يظن أنه مبرم، و يغرم و هو يرى أنه غانم، و قال العروضي: أما أنه لو كان معتبرا في حياته، لما صار عبرة في مماته، و قال الأندلسي:
الصاعد في درجاتها إلى سفال، و النازل في دركاتها إلى معال، و قال القومسي: من جد للدنيا هزلت به، و من هزل راغبا عنها جدت له، انظر إلى هذا كيف انتهى أمره، و إلى أي حضيض وقع شأنه، و إني لأظن أن الرجل الزاهد الذي مات في هذه الأيام، و دفن بالشونيزية، أخف ظهرا، و أعز ظهيرا، من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة، و رحل عنها، بلا زاد و لا راحلة، و قال غلام زحل: ما ترك هذا الشخص استظهارا بحسن نظره و قوته، و لكن غلبه ما منه كان، و بمعونته بان، و قال ابن المقداد: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، و إن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف، فقال أبو سليمان: ما عندي في هذا الحديث، أحسن مما سمعت من أبي إسماعيل الخطيب الهاشمي، لما نعاه على المنبر، يوم الجمعة، يقول في خطبته: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، و هلا اتخذت دونه جنة تقيك، ما ذا صنعت بأموالك و العبيد، و رجالك و الجنود، و بحولك العتيد، و بدهرك الشديد، هلا صانعت من عجل على السرير، و بذلت له من القنطار إلى القطمير، من أين أتيت و كنت شهما حازما، و كيف مكنت من نفسك و كنت قويا صارما، من الذي واطأ على مكروهك، و أناخ بكلكله على ملكك، لقد استضعفك من طمع فيك، و لقد جهلك من سلم بالعز لك، كلا، و لكن ملكك من أخرك و أملك، و سلبك من قدر عليك بالقهر لك، إن فيك لعبرة للمعتبرين، و إنك لآية للمستبصرين، جافى اللّه جنبك عن الثرى، و تجاوز عنك بالحسنى، و نقل روحك إلى الدرجات العلى، و عرفنا من خلفك خيرا و عدلا، يكثر من أجلهما لك الدعاء، و عليك الثناء، إنه على ذلك قدير، و هو عليه بصير (ذيل تجارب الأمم ٣/٧٥-٧٧) .