نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٤٩ - ١٤٣ سنان بن ثابت الحراني يعالج أمير الأمراء بجكم
اعلم أيها الأمير، أنّك قد أصبحت، و ليس فوق يدك يد لأحد من المخلوقين، و أنّك مالك لكل ما تريده، قادر على أن تفعله، أيّ وقت أردته، لا يتهيّأ لأحد من المخلوقين منعك منه، و لا أن يحول بينك و بين ما تهواه، أيّ وقت أردت، و اعلم أنّ الغيظ و الغضب يحدثان في الإنسان سكرا، أشد من سكر النبيذ بكثير، فكما أنّ الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ، ما لا يليق به، و لا يذكره إذا صحا، و يندم عليه إذ احدّث به، و يستحي منه، كذلك يحدث له في وقت السكر من الغيظ، بل أشدّ، فإذا ابتدأ بك الغضب، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت، لا يفوتك عمله، فإنّك إذا بتّ ليلتك، سكنت فورة غضبك، و قد قيل: أصحّ ما يكون الإنسان رأيا، إذا استدبر ليله، و استقبل نهاره، فإذا صحوت من سكرك، فتأمّل الأمر الذي أغضبك، و قدّم أمر اللّه عز و جلّ، أوّلا، و الخوف منه، و ترك التعرّض لسخطه، و اشف غيظك، بما لا يؤثمك، فقد قيل: ما شفى غيظه من أثم، و اذكر قدرة اللّه عليك، فإنك تحتاج إلى رحمته، و إلى أخذه بيدك، في أوقات شدائدك، فكما تحبّ أن يغفر لك، كذلك غيرك، يؤمّل عفوك، و فكّر بأيّة ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك، و ما يتوقّعه من عقوبتك و اعرف مقدار ما يصل إليه من السرور، بزوال الرعب عنه، و مقدار الثواب الذي يحصل لك، بذلك، و اذكر قوله تعالى: أَ لاََ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَكُمْ ، و إنما يشتد ذلك عليك مرّتين، أو ثلاثا، ثم تصير عادة لك، و خلقا، فيسهل.
فابتدأ بجكم، فعمل بما قال له [١] ، المنتظم ٦/٣٢١
[١] وردت القصة في تجارب الأمم ١/٤١٧-٤١٩ و وردت في تاريخ الحكماء ١٩٢ و ١٩٣.