نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٧٦ - ١٠٤ عامل الجامدة لا يعطي على المدح شيئا
و هو يقول: لو هجوتني لشربت من هذا، و حيّيت من هذا، و تنقّلت [١]
من هذا، قم الآن و كل ممّا تستحقه بمدحي.
فقمت، و جاءوني بطبق وسخ، عليه أرغفة سود، و قطعة مالح، و مرق سكباج [٢] أحمض من الفراق، و قليل تمر.
فأكلت لفرط الجوع، و جاءوني بأشنان أخضر، لم ينقّ يدي، و جئت فجلست عنده.
فقال: اجعلوا بين يديه من الشراب، مثل ما يستحقّ من مدحني.
فجاءوني بقنينة زجاج أخضر غليظ وحش، و قدح مثلها، و سخين وحشين، و في القنينة نبيذ دوشاب [٣] طريّ، و باقلا مملوح، و باقة ريحان.
فشربت أقداحا، و هممت بهجائه، و أنا أمتنع، خوفا من أن يكون ذلك يصعب عليه، و إنّما يمازحني بما يقوله لي، و أنا أفكّر في ذاك، إذ أخرج خمسين دينارا.
فقال: الآن قد فاتك ما مضى، و لكن اهجني مستأنفا، حتى أعطيك لكل بيت دينارا.
فقلت: إن كان و لا بدّ، فاكتب، و قلت:
جاءت بهيثم أمّه # من بغيها و زنائها
فرمى إليّ دينارا، فقلت:
[١] التنقل: أكل النقل، و هو ما يؤكل مع الشراب، و يسمى ببغداد: المزة، و الكلمة فصيحة بمعنى الطعم الذي يضرب للحموضة، راجع حاشية القصة ٣/٦٩ من النشوار.
[٢] السكباج: راجع حاشية القصة ١/٩٣ من النشوار.
[٣] في شفاء الغليل ٨٧، الدوشاب: النبيذ الأسود المصنوع من التمر، قال ابن الرومي:
علني أحمد من الدوشاب # شربة نغصت علي شبابي