العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٤ - الخضاب
و قال مالك بن أسماء بن خارجة لجاريته: قومي اخضبي رأسي و لحيتي. فقالت:
دعني، قد عييت مما أرقّعك. فقال مالك بن أسماء.
عيّرتني خلقا أبليت جدته # و هل رأيت جديدا لم يعد خلقا
و دخل أبو الأسود الدؤلي على معاوية و قد خضب؛ فقال: لقد أصبحت يا أبا الأسود جميلا؛ فلو علّقت تميمة [١] . فأنشأ أبو الأسود يقول:
أفنى الشباب الذي فارقت بهجته # مرّ الجديدين من آت و منطلق
لم يبقيا لي من طول اختلافهما # شيئا يخاف عليه لذعة الحدق
و ذكر عن الأصمعي قال: بلغني عن بعض العرب فصاحة، فأتيته فوجدته يخضب، فقال: يا بن أخي، ما الذي أقصدك إليّ؟قلت: الاستئناس بك و الاستماع من حديثك. قال: يا بن أخي، قصدتني و أنا أخضب، و الخضاب من مقدّمات الضعف، و لطالما فزّعت الوحوش، و قدت الجيوش، و رويت السيف، و قريت الضيف، و حميت الجار، و أبيت العار، و شربت الراح، و جالست الملاح، و عاديت القروم، و علوت الخصوم؛ و اليوم يا بن أخي الكبر و ضعف البصر تركا من بعد الصّفو الكدر. و أنشأ يقول:
شيب نعلّله كيما نسرّ به # كهيئة الثوب مطويّا على خرق
فكنت كالغصن يرتاح الفؤاد به # فصرت عودا بلا ماء و لا ورق
صبرا على الدهر إن الدهر ذو غير # و أهله منه بين الصفو و الرّنق [٢]
و دخل معاوية على ابن جعفر يعوده؛ فوجده مفيقا و عنده جارية في حجرها عود؛ فقال: ما هذا يا بن جعفر؟فقال: هذه جارية أروّيها رقيق الشّعر فتزيده حسنا بحسن نغمتها. قال: فلتقل. فحركت عودها و غنت!و كان معاوية قد خضب.
[١] التميمة: العوذة من العين.
[٢] ذو غير: ذو تقلّبات، و الرّنق: الكدر.