العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٥ - السؤال
و قال حبيب:
ذل السؤال شجى في الحلق معترض # من دونه شرق من خلفه جرض [١]
ما ماء كفّك إن جادت و إن بخلت # من ماء وجهي إن أفتيته عوض
الخشني قال: قال أبو غسّان: أخبرني أبو زيد قال: سأل سائل بمسجد الكوفة وقت الظهر فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم لا تعلّم، أنت الذي لا يعوزك نائل، و لا يحفيك سائل [٢] ، و لا يبلغ مدحك قائل؛ أسألك صبرا جميلا، و فرجا قريبا، و بصرا بالهدى، و قوة فيما تحب و ترضى. فتبادروا إليه يعطونه. فقال:
و اللّه لا رزأتكم [٣] الليلة شيئا و قد رفعت حاجتي إلى اللّه. ثم خرج و هو يقول:
ما نال باذل وجهه بسؤاله # عوضا و لو نال الغنى بسؤال
و إذا النّوال مع السؤال وزنته # رجح السؤال و شال كلّ نوال [٤]
و قال مسلم بن الوليد:
سل الناس إني سائل اللّه وحده # و صائن عرضي عن فلان و عن فلا
و قال عبيد بن الأبرص:
من سأل الناس يحرموه # و سائل اللّه لا يخيب
و قال ابن أبي حازم:
لطيّ يوم و ليلتين # و لبس ثوبين باليين [٥]
أهون من منّة لقوم # أغضّ منها جفون عيني
إني و إن كنت ذا عيال # قليل مال كثير دين
لأحمد اللّه حين صارت # حوائجي بينه و بيني
و من قولنا في هذا المعنى:
[١] الجرض: ابتلاع الريق بجهد.
[٢] يحفيك: يقال: أحفى فلان فلانا، إذا برّح به في الالحاف عليه و اجهده.
[٣] الرزء: المصاب.
[٤] شال: خفّ.
[٥] اللطي: اللصوق بالأرض، و الاختفاء.