العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٦ - بين سليمان بن عبد الملك و رجل أعجب بكلامه
و قال الأصمعي: ما سمعت الحسن بن سهل مذ صار في مرتبة الوزارة يتمثل إلا بهذين البيتين:
و ما بقيت من اللّذّات إلا # محادثة الرّجال ذوي العقول
و قد كانوا إذا ذكروا قليلا # فقد صاروا أقلّ من القليل
و قال محمد بن عبد اللّه بن طاهر-و يروي لمحمود الوراق-:
لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى # و لا باكتساب المال يكتسب العقل
و كم من قليل المال يحمد فضله # و آخر ذو مال و ليس له فضل
و ما سبقت من جاهل قطّ نعمة # إلى أحد إلاّ أضرّ بها الجهل
و ذو اللّبّ إن لم يعط أحمدت عقله # و إن هو أعطى زانه القول و الفعل
و قال محمد بن مناذر:
و ترى الناس كثيرا فإذا # عدّ أهل العقل قلّوا في العدد
لا يقلّ المرء في القصد و لا # يعدم القلّة من لم يقتصد
لا تعد شرّا و عد خيرا و لا # تخلف الوعد و عجّل ما تعد
لا تقل شعرا و لا تهمم به # و إذا ما قلت شعرا فأجد
و لآخر:
يعرف عقل المرء في أربع # مشيته أولها و الحرك
و دور عينيه، و ألفاظه # بعد عليهنّ يدور الفلك
و ربّما أخلفن إلاّ التي # آخرها منهنّ سمّين لك
هذي دليلات على عقله # و العقل في أركانه كالملك
إن صحّ صح المرء من بعده # و يهلك المرء إذا ما هلك
فانظر إلى مخرج تدبيره # و عقله ليس إلى ما ملك
فربما خلّط أهل الحجا # و قد يكون النّوك في ذي النّسك [١]
[١] النّوك: الجهل و الحماقة.